فهرس الكتاب

الصفحة 3594 من 5287

الثانية: بوادر الأدب المترجم عن الفرنسية والاسبانية، فإن الثقافة الأجنبية بدأت تعطي نتائجها في هذه الفترة .. فهناك أدباء أصبحوا يحاولون نشر مترجمات عن الفرنسية والاسبانية بلغتهم العربية .. كما أنه وجد منهم من كتب قصة مغربية عميقة التحليل رائعة الأسلوب بلغة فرنسية بليغة .. وكذلك وجد الشاعر المغربي الذي أنتج شعرا فرنسي اللغة نال به إعجاب وجوائز المجامع الأدبية في فرنسا ..

وإذا كان لنا أن نسجل شيئا عن هذه الحقبة من تاريخنا الأدبي فإننا نسجل أنها الميلاد الحقيقي للمغرب الجديد بكل اتجاهاته الأدبية وفيها تكونت البذور الكاملة لما نشاهده اليوم من صراع في معركة الحياة والبقاء .. وسنكون أوفياء لماضينا وحاضرنا الأدبي لو عملنا على نشر ما نسي أو جهل من أثر هذه الحقبة الزاهرة بالإنتاج الأدبي وإن كانت مظلمة مليئة بالفواجع والآلام ...

ولننتقل إلى الطور الثالث طور الاستقلال، وكما كان الاستقلال نعمة وثب المغرب بسببها وثبة تاريخية زلزلت أرض الطغاة والحماة والجناة، وعرف طريقه لبناء حياة جديدة ذات مسؤوليات وثبات وواجبات في الداخل والخارج .. فإنه كان أيضا فرصة ذهبية للإنتاج الأدبي شعرا ونثرا .. وكان المنتظر أن يتشجع الجبان .. ويستأسد الضعيف .. ويثب الخجول الحيران .. وتأتي البذور بمحصول عظيم الكم .. رائع الكيف ..

ولكن - وما أقسى ولكن وما أمرها- انقلبت الآية فسكت الناطق .. وهدأ المتحرك .. وضعف القوي ونضب المعين أو كاد وأصبح الفراغ الأدبي شبحا مخيفا يتراآى في كل ميدان .. ويضج الناس بالشكوى منه في كل مناسبة ..

وإلى هنا ينتهي العرض لنبدأ في مناقشة العقبات التي تقف في طريق الإنتاج الأدبي .. وتحول دون ازدهار الحياة الأدبية بالمغرب .. وهذه العقبات في طبيعتها ترجع إلى نوعين اثنين: عقبات مادية ترجع إلى الحياة الاقتصادية وأسلوبها .. وعقبات أدبية ترجع إلى الحياة الفكرية وأسلوبها.

فالمغرب لحد الآن غير مجهز بأدوات النشر والطبع من مطابع ودور تجارية تغامر بنشر الإنتاج المغربي القديم منه والحديث .. ومساهمة المطبعة في الحياة الفكرية أصبحت ضرورية لا تتحقق أية نهضة بدونها .. وفي يقيني أن هذا النوع من الاقتصاد يجب أن ندعو إليه بكل الوسائل وسنظل نعاني أزمة فكرية وثقافية خانقة إذا لم نعمل على تجهيز البلاد بالمطبعة كما جهزناها بالراديو والهاتف والتليفزيون ..

وهنا أتوقع أن يعترض ناقد ويقول: إن المطابع الموجودة على قلتها كافية لأن الأدباء المغاربة لا ينتجون .. ولا يؤلفون فماذا ينشرون .. ؟ والجواب عن هذا الاعتراض أن المطابع ودور النشر في الأمم الأخرى تبحث بطبيعة عملها التجاري عن المؤلف الذي تنشر له إنتاجا .. وعن المصحح الذي يصحح لها مخطوطا .. وهي إلى جانب عملها الاقتصادي الذي قد يدر عليها أرباحا .. تسهم في خلق حياة أدبية وازدهار ثقافي .. وإخراج كتاب إلى القراء .. لا يتوقف على مجهود المؤلف فقط .. بل يتوقف على مجهود الطابع .. والناشر .. والمصور أحيانا .. فكل هؤلاء لهم حظ في وصول إنتاج ما إلى القراء ..

وهذه هي العقبة المادية الكبرى وعنها تتفرع عدة مشاكل لا مجال لذكرها الآن باستقصاء.

أما العقبة الأدبية فهي ظاهرة طغيان الثقافة الأجنبية على الثقافة العربية حتى كاد التوازن ينعدم، فالذين ينتجون أدبا عربيا مغربيا هم في الغالب من الذين يحملون ثقافة عربية خالصة .. أو من الذين يحملون ثقافة عربية متينة إلى جانب ثقافة أجنبية مكملة .. وهذا طبيعي لا مناص منه لإنتاج أدب مغربي عربي اللغة والروح.

وهذا الجيل من الأدباء قد أدى رسالته في مرحلة الكفاح الوطني فأسهم بنسبة متفاوتة بين أفراده في الإنتاج الأدبي وهو الآن يملأ فراغا كبيرا في مناصب الدولة والوظائف المتعددة .. وقد ترك انصرافه عن الميدان الأدبي فراغا ملحوظا عمت منه الشكوى .. على أن هناك من الأسباب الظاهرة والخفية لانصراف بعض الناس عن الإنتاج الأدبي ما لا تمكن مناقشته الآن وستحتفظ بها ذاكرة التاريخ التي لا تنسى ولا تنسى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت