فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع2 /غشت 1957 ص 19

للأستاذ: عبد الكريم التواتي

كان محمد عليه السلام خاتم الأنبياء بشهادة القرآن وكانت رسالة الإسلام - بحكم ذلك - نهاية المطاف لجميع الرسالات الإلهية والشرائع السماوية التي تعاقبت على الأرض وقطانها مدى الأجيال التي رافقت الإنسانية في تطوافها اللامنقطع عبر الآباد، العريقة القدم والتي سايرت - إلى مدى ليس بقصير - التطورات الفكرية والفسيولوجية للكائنات بأسرها وعلى اختلاف حيواتها، وواكبتها في طفراتها وصحواتها وفي تعثراتها وانتكاساتها، فتكيفت بفضل ذلك مع المحيط الذي اكتنفها واكتنفته، ومع البيئات التي أوجدتها أو وجدت فيها، وتفاعلت معهما تفاعلا منسجما منسقا إلى أبعد حدود الانسجام الموفق وأقصى صور التناسق البديع، فكان طبيعيا - وتلك هي الظروف التي زفت فيها بشائر الرسالة المحمدية إلى سكان هذا الكون - أن تكون جميع الأوضاع الكونية قد بلغت - وفي هذه الفترة التكميلية لتاريخ البشرية الذي ظل حتى الآن يتأرجح بين اليقين والشك وبين الإيمان والكفر والرشد والهدى والضلال - من الوعي واليقظة درجة تجعلها حقيقة وبكل تأكيد على أتم استعداد لتلقي فيوض الإيحاءات الفوارة المنبعثة في خلايا الإنسان والدنيا بفضل هذه الشريعة المحمدية الجديدة في أسلوبها وطرائق دعوتها المجددة - وفي أسلوب شيق أخاذ وحجة بالغة - لجميع الشرائع التي شاهدها عالمنا الأرضي، وأن تكون من جهة أخرى قد هيأت لتحمل كامل المسؤوليات التي من المقدر والمقرر أن تناط بها كشرط أساسي في نظر الرسالة الإسلامية لتأكيد حقيقة وجودها في الإطار العام للوجود الكوني نفسه وفي دائرة اعتبار هذه المسؤوليات القضية الوحيدة التي من أجلها أوجدها مقيض الحياة على هذه البسيطة وفي أفكار سكانها، ثم بعد هذا وذاك يجب أن تكون مؤمنة في قرارة نفسها بأن وجودها الذي أحيط بكل هذه الهالات من التقديس والإكبار، ليس إلا وسيلة لما أريد بها من انطلاقات روحية، ووثبات عقلية ثابتة موفقة نحو الإيمان الكامل المطلق بالحقيقة الأزلية، التي لا يمكن أن تكون سوى الله واهب الحياة وملهم الإيمان بأوسع المعاني وأضخم التصورات.

وكان طبيعيا من جهة أخرى أن تكون التجليات الإلهية التي ظلت تهدهد في رفق بالغ وحنو عظيم الإنسانية في رحلتها الماضية المديدة عبر القرون والأجيال بشتى الإمدادات والتوجيهات والتحذيرات، وبما كانت تلهمه النبيئين والصديقين والقادة المصلحين من صبر وإيمان على تحمل التبعات والمضي بها في حزم نحو خير المجموع، أن تكون قد بلغت هي الأخرى وفي نفس هذه الفترة درجة من الشمول الكلي لجميع ما قد يتطلبه الإنسان في رحلته المقبلة نحو البحث عن تلك الحقيقة الأزلية، والتطلع في شوق ظامئ إلى استكناه حقيقتها، ولكل ما قد تتوقف عليه طرق البحث السليم والتقصي المثمر والتوسم النافع غداة ارتياده أغوار هذه الحقيقة ومجاهيلها اللامحدودة سيما وقد أعلنت - حين بعثت محمدا ورسالته - في صراحة صارمة أكيدة انقطاع الوحي على الوتيرة التي عرفها الإنسان في أطواره الأولى وسني كفاحه القديم، وأعلنت نهاية الرسالات السماوية على غرار ما تساوقت عليه منذ إرادة إصلاح خطيئة آدم حيث بداية شوط الرسالات إلى وفاة حفيده محمد عليه السلام, حيث قدرت نهاية دلك الشوط, وربما الذي لم يخلق الإنسان عبثا والذي لن يتركه سدى يتعالى أن يتخلى عن الإنسان وهو على أهبة القيام بهذه الفورة نحو عالم المستقبل الذي لايعلم أحد سواه سبحانه العقبات التي سوف تعترضه أو الأشواك التي تشوكه حتى النهاية الحتمية - من حيث الزمان- التي ستنتهي به لتحقيق ما أنيط به من مهام وما ألزم من تكاليف ... لهذا فقد كانت رسالة محمد عليه السلام - للأسباب والدواعي الآنفة الذكر - تعتبر بحق خلاصة مجسمة وصورة حية ناصعة الألوان مشرقة الظلال براقة التقاسيم للمجتمع المثالي الذي ظل الهدف الأسمى للإنسان وما ينفك ينشده منذ أن آمن وأحس وشعر بأن الحياة فرصة ثمينة غالية لاعتبار الوجود متعة شائقة ولذة عارمة لا كما يتصوره المتشائمون من أنه عبء ثقيل وعناء فادح وشر لابد منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت