فهرس الكتاب

الصفحة 3198 من 5287

دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 ص17

للأستاذ: عبد السلام

نشرت الجرائد خبرا مفاده أن النوادي الثقافية قد رشحت الفيلسوف المسلم الجزائري «مالك بن نبي» لجائزة نوبل بعد أن درست مؤلفاته درسا دقيقا فوجدت أفكاره تدعو للسلام ولانقاذ البشرية، واعتراف هذه النوادي بفلسفة مالك وبدعوتها للسلام شهادة قيمة على حاجة الإنسانية لحل مشاكلها على ضوء أفكار مالك بن نبي، وما أفكار هذا الفيلسوف المسلم إلا الفيض الإسلامي وتعاليمه التي امتزجت بلحمه ودمه وأعصابه، وأصبحت الموجهة لضميره بعد أن آمن بها عن علم ودرس.

ولم يكن في الخبر غرابة بالنسبة لما يستحقه مالك، فلقد رشح لتلك الجائزة بل أخذها من هم أقل منه دعوة إلى السلام وأكثر الناس انحرافا عن الغايات الإنسانية المثلى، ولكن الغرابة أن يرشح من بلد أجنبي في حين يكفر به قومه أو بمعنى أصح يجهله قومه جهلا يكاد يكون عاما مع أن الأستاذ مالك نسيج وحده في فلسفته وفي تاريخ أمته الإسلامية، ولقد تحدثنا عن بعض سمات فلسفته في بعض أعداد هذه المجلة، ونريد اليوم أن نعطي نظرة أخرى عن طبيعة فلسفته ومنبعها، ففلسفة مالك تمتاز بمواجهة المشاكل مواجهة اجتماعية علمية واقعية تعنى بتحديد الأمراض الاجتماعية تحديدا علميا وتعطي بعد ذلك الدواء الشافي بعد دراسة طويلة نالت من أعصابه ودمه ورزقه وأهله. ولم تقف فلسفة مالك أمام عوارض الأمراض التي ضللت كثيرا من المصلحين وألهمتهم عن حقيقة الدواء بل اقتحمت فلسفته تلك المظاهر إلى حقيقة المشكلة التي تتولد عنها جميع المشاكل الأخرى، فهناك التفرقة والفقر والحسد والخيانة والكسل والجهل والمرض والانحطاط إلى آخر قائمة الأمراض الاجتماعية والخلقية التي ما تزال تنخر عظام كياننا رغم مجهودات شتى في سبيل مقاومتها تلك المقاومة التي كانت غافلة عن حقيقة المشكل ومكمن الداء.

ومالك ما وقف موقف أولئك من تلك القائمة وإنما صرح بأن تلك القائمة تحتوي على أعراض فحسب كارتفاع درجة الحرارة نتيجة الحمى واصفرار العين لاضطراب في الكبد، ولهذا يجب أن يبتر المرض من جذوره وأن لا يكتفي بتضييع الوقت في تناول العلاج بالنسبة للأعراض لأن هذا قد يفيد في تغطية أعراض المرض، ولكن لا يفيد في القضاء عليه وإن كان يتيح للمرض أن يتعمق في كيان الأمة ويستفحل خطره مما يؤدي إلى زيادة الضعف والاضطراب.

ولقد توصل مالك في كتابيه «شروط النهضة» و «فكرة الإفريقية الأسيوية» إلى تحديد المرض على نحو منهجي لا يدع مجالا للاعتراف به، وقد اشتق له اسما من طبيعته فأطلق عليه «القابلية للاستعمار» التي ينتج عنها جميع الأمراض الاجتماعية ومنها الاستعمار الذي هو النتيجة الحتمية لتلك القابلية، ولهذا لا يمكن القضاء على الاستعمار وعلى تلك الأعراض الأخرى إلى بالقضاء على القابلية للاستعمار ولا دواء لها إلى الحضارة.

وهذه الفلسفة التي تعمق فيها مالك وأولاها عناية وبحثا مستقاة من تعاليم الإسلام، ولهذا اتخذ مالك قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . رمزا لكثير من أفكاره، فالإسلام يرى أن التقدم والحضارة والفلسفة كل ذلك أساسه العقيدة المتينة التي تطهر النفوس وتسمو بها وتمدها بعناصر

ملاحظة: سيتابع الكاتب في العدد القادم نشر مقاله المتسلسل عن منهاج محمد عبده في الإصلاح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت