فهرس الكتاب

الصفحة 1389 من 5287

دعوة الحق، س. 2، ع 9 / يونيو1959 ص 11

للأستاذ أبي العباس أحمد التيجاني

بمناسبة رمضان هذا العام تجاوبت أصوات الوعاظ في طول البلاد وعرضها في سبيل نشر تعاليم القرآن وإيقاظ الوعي العام. سنة حسنة يا لها من سنة أجزل الله الثواب لمن سنها ملك البلاد المحبوب الذي غدا اسمه مرادفا لكلمة"استقلال"وذلك ما أمر به من نصب وعاظ في مساجد المملكة يستنفرون الشعب إلى تعبئة ثقافية عامة لأجل إيقاظ مجدهم النائم في دواوين التاريخ ودفع رايته لشباب يتوقد غيرة وحماسا دخل لميدان العهد الجديد في ذمة قوله تعالى:"فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون"الاستعمار وملئه. لا شك أن خط هذا المنهاج في ميدان الإصلاح سيظهر له جميل الأثر في بناء المجتمع الجديد إذا علمنا أن تدشين هذا المنهاج وقع في شهر رمضان أملأ الشهور بأنواع الطاعات والقربات بما يصعد فيه من كلم طيب لدى الملك والملكوت وما يرفعه فيه سبحانه من عمل صالح يحدوه قوله تعالى:"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله".

من حسن الحظ أتيح للكاتب أن يساهم في هذا المشروع الاجتماعي فألقى دروسا في جامع مولاي سليمان لحمتها وسداها تعاليم القرآن الكريم وجوامع الكلم النبوية متوخيا ما كان منها يفيد عمليا في بناء مجتمع جديد ينسجم مع العصر وتطوراته في دائرة الإسلام بدون مداهنة ولا مجاملة مع استحضار أن مبادئ الإسلام وروحه صالحان لكل زمان بحكم أن رسالته عليه السلام عامة صالحة لأن تعرض على الأبيض والأسود لا فرق في ذلك بين الألماني والأمريكي والسوداني والصيني بحكم قوله تعالى:"وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا""قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا"بناء مجتمع جديد يتطلب بمزيد الإلحاح مراجعة التقاليد والعادات وما يجري على الألسنة من الكلام المأثور والتخلي مما لا يشهد له أصل صحيح ولا يتفق وما جريات سنن الحياة تلك التقاليد والعادات التي كبلت من الإسلام الرجلين وتركته يوسف خلف ركاب الحضارة وهو ذلك الإسلام الذي جاء لإتمام النعمة على البشرية:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ــ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم"نعم هو ذلك الإسلام الذي من أصوله:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا"يقول هذا وأكثر من هذا لخيرة المهاجرين والأنصار جوابا عما كان يجري من التفاخر بينهم وبين اليهود المساكين لهم في المدينة هؤلاء يزعمون أنهم شعب الله المختار وأولئك يقولون أنهم خير أمة أخرجت للناس جاءت الآية مبينة لهم أن المقياس الذي يجري عليه التفاضل إنما هو العمل لا الأماني وما تهوى الأنفس. ولا بدع ولا استغراب أن يخاطب القرآن أصحاب الرسول السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بمثل هذا الخطاب إذا علمنا من أصوله:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ــ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ــ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ــ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يومنون بالله وباليوم الآخر ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين".

نعم يقول القرآن هذا ومآت المآت مثل هذا في تحقيق معنى العدل وتقريره قاله منذ أربعة عشر قرنا في حين أن من دول اليوم ممن هي في طليعة ركب الحضارة والديمقراطية على حد تعبيرهم من يتظاهر بالعنصرية ومن يتعاطاها بإغلاق المدارس في وجوه من كان اسود البشرة كأنه الخالق بينها بينما القرآن يقول: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ــ يا أيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم""ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت