دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ص 54
الدكتور عبد العزيز الأهواني
المحقق الثقافي بسفارة الجمهورية العربية المتحدة
تطور:
كان عكوفي على العدد الأخير من (( دعوة الحق ) )للكتابة عنه، حافزا لأن أضع الأعداد السابقة كلها بين يدي، وأن أردد النظر فيها، وقد أكد لي هذا الترديد ما سبق أن شعرت به من أن المجلة في تطور، وأنها تدخل شيئا فشيئا إلى مرحلة جديدة، ذلك هو أن صفحاتها أخذت تتسع للتجديد الأدبي بعد أن كادت تكون مقصورة على التجديد الديني وحده في أعدادها الأولى، والأمر في ظاهره يسير، ويمكن أن يرد إلى أن إدارة التحرير تمتاز بذوق أدبي بنزع بها إلى الحديث من القصص والشعر. والمجلات تخضع لذوق محررها الأول وإن كثر المشاركون في كتابتها. ولكن الأمر فيما يبدو لا يقف عند ذوق المحرر، وإنما يتجاوزه إلى ذوق القارئ المغربي، وإلى تطور عام ازداد به عشاق الأدب من المغاربة عددا، بعد إذ كان نشاط المغاربة في معظمه وقفا على ميادين العقائد والتشريع، ويكفي أن نقارن في القديم بين إنتاج أهل الأندلس. وإنتاج أهل المغرب على قرب الدار، وأن نقارن بين ما أخرجته المطبعة في فاس وما أخرجته المطبعة في بولاق خلال القرن الماضي لندرك هذه الحقيقة.
وأنا لنرحب بهذا التطور الجيد، ونرى فيه الخير الكثير، ونأمل أن ننفذ عن طريقه إلى قلوب المغاربة، ولعلني لا أتجاوز الحق إذا قلت أن المغرب يبدو أحيانا في ذهن المشارقة وكأنه لغز يستلزم حلا، ولا أدري إلى أي مدى يحس أهل المغرب بذلك، إلا أنني وجدت في العدد الماضي ـ وأنا بصدد الحديث عنه ـ هذا النص يصدر عن رئيس التحرير، وهو قوله في الحديث عن لوحات الفنان محمد صبري (أن المغربي متحفظ بطبعه، وأنه صعب المراس، وأنه يتخذ منك لأول وهلة موقف المحايد فلا يفتح لك قلبه كله ولا يوصده في وجهك إيصادا ... إلخ) كما وجدت الأستاذ عبد الوهاب بن منصور يطفر إلى ذهنه لفظ (( التمثال ) )فيرمز به إلى الجهاز الثقافي الأول الذي تحدث باسم المغرب خلال قرون طويلة، ألا وهو مسجد القرويين، فهل فتح المغرب في حياته الثقافية صفحة جديدة يكشف فيها عن دخائل نفسه، ويعلن ما اكتتم في قلبه من أسرار، وإن الأدب بشعره وقصصه سيكون سبيله إلى هذا؟ ذلك ما نرجوه.
شعر حديث:
وما دمنا نتحدث عن الأدب في المغرب، فلندخل إلى شعر العدد الماضي، ولنبدأ بأناشيد الأحرار للشاعر محمد الطنجاوي، فإنها الطرف الأقصى في التحديد الشعري، وقضية هذا الشعر الحديث كله لا تزال في الميزان، وإن شغف به الشباب وكثر الناظمون في طريقه، وأقسى ما يصك مسمع قارئ الشعر العربي هو شيء غير قليل من الركاكة في هذا الشعر الحديث فمن أكثر القراءة في شعرنا العربي القديم استقرت في مزاجه منه نغمة موسيقية متماسكة طويلة النفس عبر عنها القدماء بلفظ الجزالة أو الرصانة، حتى إذا انتقل إلى هذا الشعر الحديث أنكرته أدناه، وعلى الرغم من الشاعر الطنجاوي قد سلمت أناشيده من زلات كثيرة يقع زملاؤه، إلا أنني حين أقرأ (( وتحت ظلال وعزة رايتنا الزاهية ) )لا أسيغه، وإن كنت أحفظ الشاهد القديم (( بين ذراعي وجبهة الأسد ) )وحين أقرأ