فهرس الكتاب

الصفحة 2849 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 ص45

للأستاذ سعيد العريان

الحديث الذي أريد بي أن أتحدث فيه ولا أدري من أراد، هو الحديث عن علم العرب، ولا أظن أن للعرب علما غير علم الناس، ولا أظن أنه ينبغي أن يكون للناس علم ليس مثله عند العرب، فإن العلم كما قال الأخ الأستاذ الدكتور سليمان الحزين أمس، لا وطن له ولا جنس له، إلا أن يكون المراد ثقافة العرب لا علم العرب، ومع ذلك فإني أرجو أيضا أن تكون الثقافة لا وطن لها ولا أرض ولا جنس وأن يكون مستقبل الثقافة إنسانيا للناس جميعا لا لشعب دون شعب ولا لأرض دون أرض ولا لوطن دون وطن.

وأظن أن هذا الأمل أو هذا المعنى هو الذي قصده الله تعالى حين جعل الكتاب الكريم آخر كتبه إلى البشر، وحين جعل محمدا (ص) آخر أنبيائه إلى الناس، فلم يجعله نبيا للعرب ولم يجعل قرآنه للعرب وإنما أراده للعالمين، يعني إنسانيا، وأراد نبيه للعالمين يعني نبيا إنسانيا.

وجاءت تعاليم الإسلام مصدقة لذلك فجاءت إنسانية لا عربية، ومعنى هذا أن الله فيما أظن وفيما يظن كثير من الذين يستمعون إلي، يحرص على أن تكون الثقافة إنسانية وتعاليم الإسلام نفسها إنسانية، لأنها تنزيل للسلوك الإنساني وللشعور الإنساني وللضمير الإنساني، في كل أرض ولكل جنس ولكل قوم، مبادئ لم يختلف عليها حتى اليوم أحد من أهل الفكر في أي بلد من بلاد الله، الحرية، كرامة الإنسان، العزة في النفس، الشعور بالواجب لنفسه ولكل من حوله، التكافل الاجتماعي، لا خوف إلا من الله، لا رجاء إلا من الله، البشر أمة واحدة لأب وأم، هذه المثل الإنسانية التي جاء بها الإسلام وجاءت في القرآن نصا وروحا لم يختلف عليها مفكر ومفكر في أي بلد من بلاد الأرض، فهي مبادئ إنسانية عامة خالدة لكل زمان ولكل شعب ولكل أرض ولكل وطن، فهي مبادئ إنسانية عامة خالدة، وأظن، وأعتقد أن كثيرا منكم يظنون أن هذه المبادئ هي إطار الثقافة الإنسانية التي يجب أن تكون للناس جميعا فهي ليست ثقافة العرب وإنما ينبغي أن تكون ثقافة البشر أو ثقافة الإنسان على حد الفصل الذي فصل به الدكتور سليمان الحزين أمس بين البشر والإنسان.

لكني أحس أن الأمة العربية اليوم في مرحلة من مراحل القلق العلمي، تجعلها بين طريقين أو بين عدة طرق، تصدر مرة إلى يمين ومرة إلى شمال ومرة إلى أمام ومرة إلى خلف، لا تكاد تعرف في مجموعها أي طريق تسلك، وهي تصف كل طريق من هذه الطرق الأربع وصفا، تسمي طريق اليمين ثقافة كذا وثقافة الشمال ثقافة كذا وثقافة الأمام ثقافة كذا وثقافة الخلف كذلك، هذا الموقف القلق بين طرق أربع لشعب مؤمن صاحب مثل يعرف نفسه ويعرف مكانه ويكاد يعرف غده، هو الذي أنشأ حالة القلق العلمي الذي وصفته. والقلق العلمي لا يعرض إلا لأصحاب المثل، لأن الذين يعيشون كما تأتي الحياة، كما يتأتى العيش، لا يخلقون، وإنما يمضون كما يمضي بهم التيار لا يحاولون مقاومة، وإنما يمضون كما يمضي بهم التيار لا يحاولون مقاومة، وإنما يقاوم الذين تتعارض إرادتهم مع التيار، ومن ثم ينشأ القلق.

فالقلق العلمي إذن فضيلة من فضائل أصحاب المثل، قد يكون هذا القلق العلمي سببا لانزعاج كثير من المهتمين بشؤون الأمة العربية، يخشون أن تنحرف عن طريقها الذي رسمه الله إلى غيره، فينظرون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت