فهرس الكتاب

الصفحة 2841 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 ص37

أبحاث ومقالات: في مهرجان القرويين، كلمة وزير التربية الوطنية

الأستاذ عبد الكريم بن جلون

مولاي صاحب الجلالة

خلال القرن الثالث للهجرة، وفي بيئة سنية سلفية تجعل من المسجد النواة الاجتماعية الأولى لانبثاق حياة إسلامية حقة، اتجهت همة امرأة مؤمنة بسمو الرسالة المحمدية وقابليتها لانتشال البشرية من ظلام الجهالة، إلى تشييد بناية بسيطة للعبادة بمعناها العام، المتضمن لإقامة الشعائر الدينية وتزويد العابد في هذه الحياة بوسائل عملية تجعل منه عضوا عاملا في مجتمعه، قائما بمسؤوليته حق قيام، مدربا على مقارعة كل شرك وضلال وعاملا على إبادة كل جرثومة من جراثيم السفالة والانحلال.

ولم تزل جوانب هذه البناية تمتد، وإشعاعها العلمي يتسع، إلى أن أصبحت نقطة انطلاق لنشاط علمي، عم سائر مرافق المعرفة البشرية، ومكنت المدنية المغربية من أن تسهم بحظ وافر في ازدهار الثقافة الإسلامية وانتشارها، يوم أن كانت هذه الثقافة تحمل مشعل الحضارة في العالم أي حينما كان سائر المتعطشين إلى العلم مهما اختلفت دياناتهم ولغتهم، يؤمون العواصم الإسلامية، لدراسة العلوم، والفنون، والفلسفة بما في ذلك التراث الكلاسيكي القديم الذي قام الإسلام على رعايته أحسن قيام، حتى استطاعت أوربا، مرة أخرى، أن تتفهمه وترعاه بعد ذلك.

وكيف لا تتجه ذاكرتنا استخلاصا للعبرة والموعظة، ونحن نعيش لحظة عابرة مضت عليها مئات السنين، نحو ما قدمته المدنية المغربية الأندلسية، خصوصا بعد أن أصبح المغرب قاعدة لحكم الأندلس. إلى الحضارة الإنسانية من أيادي في شتى الميادين، وما كان يتوفر عليه المغرب من مؤسسات علمية ومدارس مختصة.

على أن الرجوع بذاكرتنا إلى الوراء في مثل هذه اللحظات الميمونة لن يكون مجديا، بل ولا باعثا على الافتخار والتنويه، إلا إذا استخلصنا منه عبرا تعيننا على مواجهة هذه الأزمة البشرية الخانقة، وتمكننا -نحن المسلمين بصفة خاصة- من التغلب على مختلف الصعوبات التي تقف دون تحقيق انبعاث ينير أمامنا السبيل في اتجاهنا العام والخاص.

وأن أول عبرة يتعين علينا استخلاصها، ونحن نشيد بعمل هذه المومنة، التي يرجع إليها فضل الأسبقية في إحداث النواة الأولى لجامعة القرويين، هي أن المسلمين في الوقت الذي كانت تتوق فيه همتهم إلى تكوين الفرد، دينيا، وأخلاقيا، كانوا يعملون، كذلك على تمكينه من سلاح العمل المثمر، حتى لا يبقى عضوا أشل في المجتمع، وحتى يتأتى له أن يشارك بعمله الفردي في المجهود الجماعي للأمة، استجابة لقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى» إذ أن «كل ما لمخلوق فيه مصلحة في دينه، أو ما لأغنى للمرء عنه في دنياه فهو بر وتقوى» كما قال ابن حزم عند تعليقه على هذه الآية الكريمة في رسالة مراتب العلوم.

ولعل هذه الظاهرة هي التي جعلت المعاهد العلمية، أيام ازدهار ثقافتنا أكثر ارتباطا بالحياة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت