فهرس الكتاب

الصفحة 5183 من 5287

دعوة الحق، س6، ع 8 - 9/ ماي-يونيه 1963 ص87

للأستاذ: محمد برادة

فضيحة مصطنعة

في الشهر المنصرم عمد أحد صحفيي مجلة (الكواكب) القاهرية إلى كتابة مسرحية بعنوان «الهواء الأسود» ، ثم نسبها إلى أديب سويسري وقدمها على أنها من أدب اللامعقول، وقرأتها لجنة مسرح الجيب المهتمة بنشر الإنتاج المسرحي الجديد، فقرظتها وأشادت بها .. وكتب أكثر من ناقد يحللها باعتبارها نموذجا من نماذج مسرح اللامعقول كما يتمثل عند: بيكيت، ويونسكو، وتوفيق الحكيم ..

ولكن الصحفي، مدبر اللعبة، سرعان ما أعلن أن المسرحية المنشورة ليست للأديب السويسري، وإنما هي من إنتاجه، كتبها فيما لا يزيد عن نصف ساعة متوخيا من ذلك إثبات تمكن عقدة النقص من النقاد العرب الذين مايزالون يصفقون لكل وارد من الغرب، ويحتقرون الإنتاج المحلي ..

واغتنم عباس محمود العقاد الفرصة ليسخر من النقاد الشباب فكتب يقول:

«هؤلاء النقاد المحترمون أول من ينبغي أن يساق إلى «محكمة التزييف» لحماية الفكر الإنساني في هذه الأمة من وبال دعواه. وأهون ما يستحقون عليه الجزاء الرادع أنهم استخفوا بدعوى القيادة الفكرية التي لا تكلفهم كثيرا ولا قليلا من العلم بأصول شيء من الأشياء في عالم الثقافة».

وانبرى الدكتور مندور يرد:

« ... تناولت كثير من الصحف والمجلات هذه الحادثة السخيفة وراحت تشهر بالنقاد وتتشفى فيهم، بل واختلط هذا الاحتيال السخيف عند أديب كبير كالأستاذ العقاد باتجاه اللامعقول في ذاته، فكتب في مقالة اضافية يسفه النقاد ومذهب اللامعقول معا ويؤكد أن أصحاب اللامعقول والنقاد المعجبين به لا يستحقون في رأيه إلا ما يسميه بالنقد اليدوي، أي من وسائل الحاجة بين أدباء ونقاد وكتاب يحترمون أنفسهم مثل الأستاذ العقاد» .

وقد ذكرتني هذه الحادثة بأخرى تقرب منها دبرها صحفي ناشئ سنة 1957، إذ جمع مقتطفات من الكتابات الأولى لروائيين لامعين أمثال توفيق الحكيم ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله، ومحمود تيمور .. ثم عرضها عليهم ليبدوا فيها رأيهم على أساس أنها من إنتاجه؛ وكانت آراؤهم كلها تصف تلك المقتطفات بأنها فجة مفتقرة إلى النضج .. ومن تم استنتج الصحفي بأن الاسم المشهور يغطي في كثير من الأحيان على ضعف صاحبه، لأنه يصبح بمثابة «الماركة المسجلة» ، بكفيه انه أثبت تفوقه في المرة الأولى ولكن لعبة «الهواء الأسود» أخطر من الأولى لأنها تطرح أكثر من سؤال ... وأهم سؤال في نظري هو: هل يحق لرئيس تحرير مجلة أن يوافق على نشر إنتاج مزيف دون التأكد من كاتبه أو وجود نصوصه باللغة المترجم عنها؟

إن هدف رئيس تحرير مجلة الكواكب ـ خصوصا وهي مجلة معروف بابتذالها وحرصها على الإثارة ـ ينحصر في تحقيق ربح مادي، لأن من شأن «الفضائح أن تضاعف البيع ... إلا أن عدم التمييز بين فضائح «النجوم» والأدباء يعد استهتارا بقداسة الثقافة ومهمة الصافة ...

أما السؤال المتعلق بمسؤولية النقاد وضرورة معرفتهم للآثار التي يقيمونها، فأعتقد أن من التعسف مطالبتهم أن يشترط في الناقد سعة الاطلاع، والثقافة الواسعة .. ولكن الأهم من ذلك توفره على ملكة الملاحظة والمقارنة، وتمثل ما يقرأ، ليستطيع أن يعكس انطباعاته وآرائه في صورة متزنة واعية .. وليس من الضروري أن يقرأ مسرحية صدرت بالألمانية أو الإنجليزية ليكتب عنها عند ترجمتها إلى العربية، فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت