فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 15

للأستاذ السيد: أبي الأعلى المودودي.

أمير الجماعة الإسلامية بباكستان

تعريب الأستاذ: محمد عاصم الحداد

لما قام المستر برناردشو -الكاتب الإنجليزي الشهير- بجولته في بلاد الشرق، وزار خلالها مدينة سنجابور، اجتمع به فيها مندوب جريدة «الهدى» العربية، فوجده مرة أخرى يمدح الإسلام ويعترف بمحاسنه، ويقول إن الإسلام دين الحرية في الفكر الإسلامي والدستور، وأن لا قبل للمسيحية بمطاولته من الناحية الاجتماعية، وأن ليس في الدنيا دين كامل في نظامه الاجتماعي كمال الإسلام، وأن السبب في تأخر العالم الإسلامي وانحطاطه هو ابتعاده عن الإسلام وتعاليمه السامية ومثله العليا، وأن المسلمين إذا كافحوا وجاهدوا على أسس دينهم الخالصة فلا جرم أن تتحقق آمال العالم الإسلامي ورغباته كفلق الصبح.

ولما سمعه مندوب الجريدة يمدح الإسلام ويردد محاسن نظامه الاجتماعي على هذا الوجه، سأله:

«إذا كنت تستحسن الإسلام إلى هذا الحد، فمالك لا تعلن دخولك في الإسلام» ؟.

سؤال ينشأ طبعا عن مثل هذه الآراء والأفكار، لأنه لا يكاد يعقل بحق أن رجلا سليم الطبع يعترف بقبح شيء ثم يتردد في تركه أو يعترف بحسن شيء ثم يتردد في قبوله.

غير أن الذي أجاب به المستر برناردشو على سؤال المندوب يدل على أنه غير مستعد لقبول الإسلام لكونه لا يجد شيئا يبرر به موقفه، ولأنه في الحقيقة يعوزه ذلك الشيء الذي يعرف «بانشراح الصدر» .

وهذا شيء لا يتوقف على المستر برناردشو فحسب، بل قد وجد ولا يزال يوجد في الدنيا كثير من أرباب الفكر والنظر، اعترفوا بمحاسن الإسلام، وأقروا بفائدته من الوجهة الدنيوية أو الدينية أو كلتيهما، وسلموا باستقامة نظامه الفكري ونبوغه العلمي وحيويته العلمية، إلا أنه لما واجههم السؤال بالإيمان والدخول في دائرة الإسلام، تلجلجوا واستنكفوا، كأن شيئا أمسك قدمهم ولم يدعهم يستقدمون حتى وقفوا عند حد الإسلام.

وعلى العكس من هذا قد وجد في الدنيا كثير من الناس صرفوا جزءا كبيرا من حياتهم في مخالفة الإسلام ومعاداته، إلا أنهم [لما] درسوا الإسلام في أثناء هذه المخالفة والمعاداة، انكشفت عليهم حقيقته، ولم يتمالكوا أن دخلوا في دائرته.

فإذن ما هو السر في اهتداء الإنسان وضلاله إن لم يكن هو علمه ومعرفته؟.

الحقيقة أنه سر عجيب، فشيء واحد يقال أمام ألوف من الناس، فمنهم من لا يلتفت إليه أصلا، ومنهم من يلتفت إليه ولكنه يقفل دونه أذنيه كأن فيهما وقرا، ومنهم من يسمعه ويفهمه ولكن يأبى أن يقر بصدقه، ومنهم من يستحسنه ويرطب اللسان بترديد محامده وفوائده، ولكن يتردد في قبوله واعتناقه، ونهم من يسمعه ولا يلبث أن ينزله من سويداء قلبه ويؤمن بصدقه.

ومما نشاهده ليل نهار في حياتنا اليومية أن مآت من الناس يرون رجلا يصاب بالصدمة ويسقط في الطريق، فمنهم من لا يأبه له أصلا ويمر عليه معتبرا مصيبته شيئا هينا، ومنهم من يجد في قلبه عاطفة العطف عليه ولكن يمر عليه آسفا، ومنهم من يقف عليه ولكن لرؤية منظره، ومنهم من يقبل عليه يرفعه ويواسيه ويسعى سعيه لإسعافه ومداواته.

وكذلك يرى ألوف من الناس جانيا يمر عليهم مكبولا بالأغلال، فمنهم من لا يلتفت إليه أصلا، ومنهم من ينظر إليه نظر الازدراء والاحتقار، ومنهم من تأخذه عاطفة الرحمة به، ومنهم من يضحك عليه ويتخذه سخريا، ومنهم من يفرح بمآله، ومنهم من يقول: قد ذاق الظالم وبال جنايته، ومنهم من يعتبر بمآله ويعتزم في نفسه على اجتناب الجريمة.

هذه انطباعات وأحاسيس نفسية تختلف باختلاف الناس، على أن ليس اختلافها مما يثير الحيرة والعجب، ولكن الذي يثير الحيرة والعجب أن رجلا واحدا بعينه تكون انطباعاته وأحاسيسيه بشيء واحد مختلفة في مختلف الأوقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت