فهرس الكتاب

الصفحة 4255 من 5287

دعوة الحق، س5 - ع8 - 9 ماي-يونيه 1962 ص13

نظرية ابن رشد في التوفيق بين الشريعة والفلسفة

للأستاذ: عبد اللطيف ملين

ويلاحظ فيما تقدم تأثر ابن رشد بالطراثف الفقهية، واستعانته بمعلوماته الفقهية، وهذا كان في الحقيقة مما ساعده على النجاح في محاولة استنباط أمر الشريعة بالنظر في الموجودات نظرا عقليا، خصوصا إذا عرفنا أنه كان متوجها بهذا القول -على وجه الخصوص- الى الفقهاء وعلماء الكلام، الذين كانوا يناوئون الفلاسفة ويعتبرون الاشتغال بالفلسفة حراما.

والعقبة الاخيرة التي تعترض ابن رشد وينجح في ازاحتها أيضا، هي انه قد يقال أن هناك أناسا ينظرون في هذه العلوم ويكون ذلك سببا في ابتعادهم عن الدين، ولكن هذه المضار، انما تأتي في نظر ابن رشد من عوامل خارجية- أي عرضية في لغة الفلاسفة العرب وليست ذاتية. كسوء ترتيب النظر في هذه العلوم او نقص الفطرة أي الذكاء، أوالافتقار الى معلم غير ذلك، فالفلسفة نافعةالذات، وقد تكون ضارة بالعرض كجميع الاشياء"وليس يجب فيما كان نافعا بطباعه وذاته ان يترك لمكان مضرة موجودة فيه بالعرض"وهو يعتمد في تأييد رأيه الى ضرب الامثلة"فمن منع الحكمة"أي الفلسفة"من هو اهل لها، كمن منع للعطشان الماء البارد العذب حتى مات لان قوما شرقوا به فان الموت بالماء عن الشرق امر عارض وعن العطش ذاتي وضروري""ص7_6"وهو يلاحق الفقهاء في هذه النقطة ويضرب المثل بالفقه ليعزز نظرته"كم من فقيه كان الفقه سببا لقلة تورعه وخضوعه في الدنيا، بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم، وصناعة الفقه انما تقتضي بالذات الفضيلة العلمية"ص7 فهل يستوجب هذا حذف صناعة الفقه وتحريمها؟

يستنتج ابن رشد من كل ما سبق، وجوب الاطلاع على ما قاله السابقون"لملة الاسلام"في علوم المنطق والفلسفة وهو بذالك يجيب على السؤال الاول الذي طرحه أول الكتاب، هو يستنتج لا الاباحة فحسب، بل الوجوب، وجوب النظر- بالتالي- في مذاهب ارسطو وافلاطون وغيرهما، وذلك تطبيقا لامر الشرع وامتثالا له، يقول ابن رشد:"فقد تبين من هذا ان النظر في كتب القدماء واجب بالشرع اذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو القصد الذي حثنا االشرع عليه، وان من منع عن النظر فيها من كان اهلا للنظر فيها- فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس الى معرفة الله، وهو باب النظر الذي يؤدي الى معرفته"ص6

ومن هنا نلاحظ الاتجاه العقلي الذي يصبغ فلسفة ابن رشد، فلا طريق للمعرفة الا طريق العقل.

ومما تقدم ايضا -نلاحظ الصبغةالفقهية التي تصطبغ بها محاكمات ابن رشد للوصول الى النتائج المتوخاة، فهو يرى أن الفلسفة كموضوع للفعل أو الترك -وهذه مفاهيم فقهية شرعية- لا تخرج عن احدى الاحكام الفقهية الخمسة: مستحب أو مندوب اليه، واجب (اجباري) مكروه، محرم، مباح. وكل حكم من هذه الأحكام يجر اما ثوابا واما عقابا واما لا ثواب ولا عقاب، وعندما استنتج ابن رشد في امر النظر في علوم المنطق انها واجبة بالشرع، فمعنى ذلك أن من هو اهل للنظر فيها وهذا هو مفهوم القدرة أوالاستطاعة وهو مفهوم شرعي فقهي أيضا، ولم ينظر فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت