فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص 15
للأستاذ: عبد العزيز بن إدريس
أصيبت كلمة الدين برذاذ من هذه الحضارة المادية كاد يفقدها نصاعتها وإشراقها ويجعلها أشبه شيء بالتحفة الفنية النادرة التي يرغب الإنسان المتحضر في اقتنائها من غير أن يفكر في استعمالها مستغنيا عنها بما ابتكرته المدنية من أدوات.
وقد دعتني هذه الظاهرة الجديدة إلى العمل على تقويم هذا الانحراف وتنظيف معنى كلمة الدين من الطفيليات التي علقت بها وكادت تغطي على بهجتها وتذهب برونقها، ومعناها الأصلي يرجع إلى معنى الجزاء، ولذلك سمي يوم القيامة يوم الدين ومنه قوله تعالى في سورة الصافات (الآية 53) : أإنا لمدينون أي مجزيون عن أعمالنا بما يناسبها، وتأتي بمعنى الطاعة والخضوع، وكان ذلك يرجع إلى معنى الأول، لأنه طاعة المقصود منها طلب الجزاء الحسن أو الفرار من الجزاء السيئ، وهذا هو معناها في العرف الإسلامي، فإذا قيل إن فلانا متدين أو محافظ على دينه فمعناه أنه يطبق أحكام الدين في حياته، لم يتغير هذا المدلول لهذه الكلمة منذ نزل القرآن إلى الآن.
ولكن مدلولها في بعض الأوساط التي أخذت من الثقافة الغربية بنصيب وافر، ولا سيما أولئك الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالتملي من الثقافة الإسلامية، له معنى آخر زيادة على ما قلناه فهو يعني التحجر والرجعية ومقاومة حرية الفكر وعداوة كل حركة عقلية متحررة.
ومنشأ هذا الفهم أمور:
1)التأثر بمعنى كلمة الدين في عصور أوروبا، فقد كانت تعني عداوة كل تفكير وكان كل من حلول أن يتحرر من القيود العظيمة التي كانت تفرضها الكنيسة خارجا عن نطاق الدين محكوما عليه بالحرمان يتعرض لأشنع التقتيل والتنكيل، وكم سجل التاريخ في ذلك من مآس وكوارث، وما محاكم التفتيش التي كانت الإنسانية تئن من قساوتها إلا تطبيقا لكلمة الدين في ذلك العصر ونتيجة حتمية لسيطرة رجال الكنيسة المتحجرين، ولم يستطيع قادة التحرير والمفكرون أن يثبتوا أركان المعرفة ويقيموا صروح العلم إلا بعد تضحية عظيمة ذهب أثناءها كثير من رجال الفكر ضحية التحجر والجمود.
من أجل ذلك أخذت كلمة الدين هذا المعنى الوضيع، ولم يستطع العلماء والزعماء السياسيون أن يأتوا بشيء جديد إلا بعد تنحية الدين من الحياة وبعد القضاء على سيطرة الكهنوت، وما هذه الحركات الهدامة التي ظهرت في العصر الحاضر وتمكنت من إخضاع بعض الشعوب إلا غلوا في محاربة فكرة التدين وإيغالا في القضاء على العقيدة، وهي بعد رد فعل طبيعي لموقف رجال الدين إزاء حرية الفكر.
فهذا المفهوم لكلمة الدين في أوساط أوروبا الثقافية هو الذي يجعل بعض شبابنا ينفرون من هذه الكلمة ويتقززون منها ويحاولون أن لا يكون بينهم وبينها أية صلة.
وما كان هذا المفهوم قط في الوسط الإسلامي، فما كان الدين عرقلة في طريق التقدم ولا مانعا من حرية التفكير بل الذي أثبته التاريخ أن ازدهار المعرفة والعلوم