فهرس الكتاب

الصفحة 2115 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 ص 72

"كن رجلا ولا تتبع خطواتي"

بقلم: عبد السلام بوعشرين

حكمة عميقة في كلمات بسيطة، لأديب عالمي مشهور، عاش في عصر عاصف، تماما كما نعيش، خصوصا من الوجهة السياسية والأدبية، راقب عن كثب حملات نابليون، وشارك بنصيبه في النهضة الأوربية الثانية، وخبر الأفراد والمجتمعات، فظهر بأفكار جليلة، وحكم محمودة، تعد وسائل لرقي شامل في مجتمع يتضمن لبابها بعقل تقي سليم، من ذلك حكمته هذه (كن رجلا ولا تتبع خطواتي) .

فالذي يمعن النظر في هذه الحكمة لابد له من التساؤل: لماذا يريد جيته من غيره ألا يتبع خطواته بينما لا يوجد في خطواته ما يزيغ بالشخص عن سبيل الرجولة الكاملة والشخصية السامية؟ فالمشهور عن خطوات جيته أنها من النوع الذي يصح أن يكون قدوة، حتى أن نابليون بونابرت وصفه بأنه رجل، وأن «برانديس» الأديب الدنماركي قال فيه: (إن حضارة الأمم تقاس بمقدار تقديرها لجيته) .

ثم إن جيته قد عاصر رجالا من أمثال روسو وديدرو وفولتير ودالمبير وغيرهم من الذين أحدثوا النهضة الأوربية الثانية وشاهد فيهم رجولة تامة، ورأى منهم ما يحمد من النهج والوسائل لتكوين تلك الرجولة والشخصية، فلماذا لم يختر خطوات بعض هؤلاء إذا منعه التواضع ونزاهة النفس من اختيار خطواته هو؟ الظاهر أن جيته لم يقصد عدم اتباع خطواته وحده، بدليل ما أسلفنا من أن خطواته لم تكن فاشلة مضطربة، كما هو مفصل في التآليف التي تعرضت لحياته، وكما ذكر ذلك الأستاذ المرحوم سلامة موسى في كتابه: (هؤلاء علموني) بأسلوبه المنصف المدقق، فلو كان جيته يقبل أن يتبع الشخص خطوات من شاء من الشخصيات العظام فلا يستثني منها سوى خطواته وحده، لبطل في نظري مرمى هذه الحكمة السامية.

وبالفرض أن جيته يقصد رجولة معينة، محصورة في إطارها المعين، فإننا نقف تجاه جيته على عدم اتباع خطواته وخطوات غيره في شبه حيرة إذا استثنينا ظاهرة التقليد، فحصر الشخصية وخنق العبقرية يدخلان في قوله لا تتبع الخطوات، ومفهوم الحيرة من جهة أخرى هو هل يعني جيته بالخطوات التي ينبغي عدم إتباعها خطوات الفرد قبل تمام رجولته فيكون القصد إتمام هذه الرجولة، وعند ذلك يتسنى لنا البحث فيما إذا كانت الرجولة ستبقى محصورة أولا، أو هي التي تقع بعد تمامها والتي يكون معناها اعتبار الحياة بكل ما في الكلمة من معنى، بحيث تقصد الحياة نفسها برسالة خطوات الشخص الجديدة من نوعها أو هو بالتالي لا يقصد الخطوات الأولى ولا الثانية، وإنما يرمي إلى أن يضع الفرد أشواطا نصب عينيه، ويدخل في نطاقها تكوين رجولته عندما يصبح متمتعا ولو ببصيص من الاستقلال الفكري، أو بدون مبالغة منذ أن يتيح له المعلم بطرق تربوية خروجا من حجره الفكري إلى نهاية حياته، وهذا كله وإن كان أقرب إلى التخمين والحدس فإنه يؤدي بنا إلى أحمد النتائج.

وكلتا الحالات يسفر البحث فيها على بضع احتمالات:

فبالاعتبار الأول كلنا يعلم أن خطوات الشخص قبل تمام رجولته هي التي تصبغ تلك الرجولة بنوع خاص، فكأنها الألوان الطبيعية للمنظر الطبيعي، غير أن الجوهر يبقى بالنظر لبعض النواحي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت