فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والحيثيات جوهرا، ومادام لكل فرد أن يختار خطوات من عنديته للتفتيش عن رجولته، بحيث لا ينبغي له أن يسلك ما سلكه غيره ممن وصلوا إلى قمة المجد وسدرة العبقرية، فإننا سنحصل على رجال ذوي شكليات أخرى، وعبقريات غير معروفة أو معروف منها البعض، ويمكن أن تكون عاملا على الخير، أو عاملا على الشر، أو أن تكون الأكثرية فيها من هؤلاء أو من أولئك، ويمكن أن نتذكر في هذا الصدد فكرة التخصيص وإن كانت أقرب إلى شؤون الثقافة منها على تكوين الرجولة في أوسع نطاق، ذلك أن التربية تقتضي اليوم أن تراعى في توجيه خطوات الفرد في نشأته الثقافية ميوله وانطباعاته، غير أن مما يعاب علينا اليوم أن ميولنا محصورة، فليس هناك في الأغلب من طلاب العلم من يخرج عن نطاق ما ذكره صاحب القصيدة التي مطلعها:
أيها السائل عني لا تسل إلا خبيرا
فإنه لم يعد المهام المعروفة: وزيرا، أميرا، صحافيا قديرا .. إلخ، ونسي أن ينبهنا مقدما إلى أن يكون بعضنا «داروينا» في أصل الأنواع: أو غانديا في الدعوة إلى الاستغناء من أجل التحرير أو غير ذلك، وهذا يساير فكرة تغيير الخطوات، إلا أنه قد يمكن أن نوجه لجيته بعض اللوم حول ما يقع -وعن غير قصد- من وجود فرد ميوله تدعو إلى اتباع خطوات جيته، فما العمل إذن؟
وبالاعتبار الثاني فأظن أن أول نقطة يمكن أن يتعرض إليها الباحث هي أن شخصية الرجل -كما يقول الإبراشي- تبدو في مقدار ما عند الشخص من الاستقلال الفكري، وحضور البديهة وسرعة الخاطر، وقوة الروح .. إلخ، ويهمنا من هذا قوله: «الاستقلال الفكري» فالشخص الذي لا يتوفر على استقلال فكري: أو هو عبد غيره في جميع خطواته وحركاته أو هو معتمد على غيره، هذا الشخص وإن كان له من الكمية ما هو جدير بالاعتبار ليس رجلا بمعنى الكلمة، وإنما هو إنسان ذو شخصية مغلولة منحلة، فالرجل هو الذي ينفرد بعبقريته فيختلف على الأقل عن غيره في الشكلية، وهذا باستثناء المزايا والفضائل والأفكار التي انطبع عليها في الأواخر كل ناضج فكر، بحكم صلاحيتها، فمثلا قد اشتهر هيرودوس بالظلم، واشتهر سيدنا عمر رضي الله عنه بالعدالة، ونابليون بقوة الإرادة والعزيمة الصلبة، وإبراهام لنكولن بالعطف على المساكين، وجورج واشنطن بالوطنية الصادقة، ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول بالاستماتة في الدفاع عن الوطن، وكل واحد منهم كونت منه صفته رجلا مشهورا بارزا، وبهذا فجيته -على حد الاعتبار الثاني- كان قوله (كن رجلا) فقط، كافيا لأن نفهم منه أن هذا الشخص المقصود بالنصيحة لن يقلد غيره، ولن يتبع خطوات جيته ولا خطوات غيره لأنه إذ يفعل تنطبق عليه الصفات التي أسلفنا قولها ولن يعتبر تام الرجولة، وحين نعدو هذا إلى نطاق أوسع نجد أن نابليون حين خاطب جيته بقوله (جيته رجل) وصمت، كان يقصد المعنى الأسمى للرجولة الكاملة، فالمشهور عن جيته أنه لم يكن عبقريا في الأدب أو العلم أو الفن، وإنما كان يوجه اهتمامه إلى أن يكون من نفسه شخصية عالمية فذة، فكان يهتم بسائر العلوم حتى بالجيولوجية والبيولوجية والبصريات وأصل الأنواع، وبعبارة أصح كان يهتم بالحياة، وكانت رسالته في الحياة هي الحياة نفسها، وهذا عمل، إذ لم يسبقه أحد إليه فهو عمل رجل فذ بكل ما في الكلمة من معنى، وعندما خاطب جيته نفسه نابليون رجل الحرب في قصيدة شعرية بقوله:
إن الذي يقدر على كل شيء يقدر أيضا على السلام
كان يقصد بكيفية مثلى معنى عاليا للرجولة الصحيحة، فنابليون الذي لم يزد على ما فعله الأبطال كخالد بن الوليد، والإسكندر المقدوني، وموسى بن نصير، ومحمد الفاتح، لم يكلف نفسه الإتيان بشيء آخر، وقد نبهه إلى ذلك جيته بتلك العبارة وأراد منه محاولة تحقيق السلام لأن فيه الخير للشعوب، وإثبات رجولة قد تعتبر فيه مزدوجة، ومعلوم أن فكرة السلام اليوم تشغل الجميع ولم يوجد رجل أو رجال يحققونها تحقيقا باتا، غير أنه لا ينبغي أن ننسى نقطا مهمة، وهي أنه ربما كان جيته قد خص عدم اتباع الخطوات بالذكر عمدا لأنه عمل يبرهن على تمام الرجولة في الشخص وإلا كانت ناقصة، ولكن ما العمل إذا كانت تلك الخطوات محمودة، وصل بها أحد الأعلام إلى هدف من قبل، ويراد الوصول إلى نفس الهدف في الحال، بينما لا توجد خطوات أخرى بعد، أو إذا كانت تلك الخطوات قد اتبعت عمدا، غير أنه يمكن أن نعتبر هذه المسائل على الهامش، وبعد هذا يمكننا أن نطير إلى أبي العلاء المعري لنذكر قوله:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل