فهرس الكتاب

الصفحة 1899 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 ص 51

أين التعريب!؟

للأستاذ الحسين وجاج

كان من جملة الأحلام التي داعبت العقول قبل الاستقلال، والآمال التي كنا نرجو تحقيقها بعده، أن تستقل من الناحيتين الفكرية والتعبيرية بعد الناحية السياسية، فنفكر تفكيرا عربيا داخل نفوسنا وخارجها وفي جميع ميادين حياتنا، ونعبر في نطقنا وكتابتنا باللغة العربية، وكان الناس يظنون إذ ذاك أن هذا أيسر ما ينتظرونه من الاستقلال، وإن هذه الناحية ليست أصعب نواحيه تحصيلا، بل إن أصعبها هي الناحية السياسية، ولكن أصبح الأمر بالعكس في جميع ذلك.

فقد خابت تلك الآمال وتبخرت تلك الأحلام، ولا ندري كيف تلقفتا استقلالنا لأول بزوغه واستهلاله فحولناه عن كثير من الاتجاهات التي كان من المنتظر أن يتجها، ومن جملتها الاتجاه العربي في التفكير والتعبير، فبعد أن كنا نتوق إلى هذا الاتجاه ونرى أن الحائل بيننا وبينه هو الاستعمار -وكان أبرز مظاهر الاستعمار هو المظهر السياسي- وجدنا الآن أنفسنا محصلين على الاستقلال السياسي وبيدنا تسيير شؤوننا الداخلية والخارجية، ولكننا لم نستقل بعد في تفكيرنا وتعبيرنا.

وإذا كنا قبل الاستقلال نحتج على المستعمر بأننا أمة عظيمة لها مجدها وحضارتها، وإذا كنا متشبثين إذ ذاك باللغة العربية تشبث الاستماتة، وكنا نستغيث للخطر الذي يداهمها في الواقع، إذا كنا كذلك، فقد أصبحنا اليوم نحن أنفسنا حربا عوانا على هذه اللغة الكريمة، لغة القرآن والتفاهم بين المسلمين وأصبحنا نحن أنفسنا نتهمها بما لا يتهمها به إلا ألد أعدائها وأكثرهم حنقا عليها وعلى المتكلمين بها.

وكثيرا ما نسمع من هنا وهناك المطالبة بالتعريب في الحياة العادية والإدارات العامة، ولكنها مطالبة خافتة الصوت لا تكاد تظهر حتى تختفي، فهي لا تزال خافتة متأرجحة كالذبالة في مهب الرياح، يغلب التخوف من انطفائها على الأمل في اتقادها، وما ذلك إلا أنه لا مصلحة لكثير من التوافه دعا الناس إليها في عصرنا هذا على ضؤولتها بل وتضرر سواهم منها.

ونحن الآن دون أن نقصد شخصا بعينه، بل ودون أن نشخص في ذهننا أي إنسان معين، نرى من حق هذه اللغة علينا أن نصدع بالحقيقة في شانها وان ننبه مواطننا على تقصيرهم في حقها ومحاولة الرجوع معهم إلى القيام بجولة عبر القرون الأولى لنرى كيف أقدم أسفنا الأقدمون على إعلاء شأن اللغة العربية بنفس أقدامهم على إعلاء كلمة الله ونشر حضارتهم الباهرة في ظلها، تلك الحضارة التي هضمت حوصلتها الجبارة كل من سبقها من الحضارات البشرية التي يشهد التاريخ باحترامها بسرعة عجيبة وفي عصر لم يتوفر فيه من وسائل التعلم ما هو متوفر في عصرنا وإنما هي الهمم العالية السيادة القعساء والشمم والآباء تلك الصفات الإنسانية التي نجد فيها مصداق قول الرسول العربي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت