فهرس الكتاب

الصفحة 2947 من 5287

دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 ص21

للأستاذ عبد السلام الهراس

العقيدة السليمة خير مركب لعناصر الحضارة في النفوس وأقدر على خلق أمة والصعود بها في مدارج الرقي والكمال، وبما أن الحضارة ليست سلعة تباع في الأسواق ولا حبوبا تستنبت من الأرض ولا مركبا كيماويا يصنع في المعامل وإنما هي إشعاع روحي ينبثق من أعماق الإنسان في صورة مركب من عناصر الحياة: عناصر الحضارة الأساسية التي أشرنا إليها في مقالاتنا عن أستاذنا مالك بن نبي -بأن الدين كان وما يزال- هو الشرارة التي تعتمد عليها الحضارة في بناء كيانها وهو الأساس الذي تبنى عليه المدنيات، وسرعان ما يتزلزل البنيان إذا ما ضعف الأساس.

ولاستمرار الحضارة في حالة سليمة وصحيحة لابد من وجود وعي صحيح وحذر دقيق، إذ قد يتسرب إلى النفس التي انبثق منها ذلك الشعاع جراثم فتاكة وأفكار خاطئة، وضالة، فتشوه الفكرة وتسلبها سر فعاليتها، فتقتل روحها، وتتركها جثة هامدة، تعبر عن الشكل دون الجوهر، وقد تبقى محتفظة بدماء، تعطي بعض الأمل في الاستعداد لعوامل الحياة والتجدد إذا وجد من ينفخ في أرجاء تلك الجثة نفخة البعث والإحياء، وهذه قصة الدول والأمم: منها ما يفنى إلى الأبد، ومنها ما يقاومه الفناء ببعض ما يحتفظ به من حصانة روحية، ولذلك فإنها تتجدد في فترات مختلفة، وقد تدخل في مركبات أممية جديدة نتيجة ظهور عقائد أو أفكار جديدة.

والمسلمون كانوا خير أمة أخرجت للناس، يوم كان للعقيدة الصحيحة دورها الفعال في النفوس تدفعهم إلى البناء والتشييد وتقودهم من نصر إلى نصر، وتضع في يدهم الوسائل المختلفة لاستكمال كيانهم وسد حاجاتهم بما يتفق والغاية التي يرمون إليها وتبعثهم على الابتكار والتجديد، والتوسع في ميدان العلم والفن، وتبعدهم عن مواطن الزلل وورطات الغرور والخيلاء، بما رسمت لهم من معالم واضحة وأخلاق صالحة وسبل هادية، وبما أمدتهم به من علاقات اجتماعية بناءة.

ولما بدأت عناصر العقيدة تتحلل في أرواحهم، ويضعف أثرها الفعال في نفوسهم، بما خالطها من شوائب معوقة للنمو الروحي والفكري، وملوثة صفاء العقيدة الأولى، وملونة سلوك المسلمين بلون هو أقرب إلى الجاهلية منه للإسلام -حينئذ تمكن الضعف منهم وبث في أعصابهم الارتخاء وفي عقولهم الجمود وفي نفوسهم الوهن، فقعد بهم عن سيرهم الحضاري الرائع بل عجزوا عن الاحتفاظ بحضارتهم وفتوحاتهم ففقدوا الأخلاق والأرض، وشاع نوع من الأنظمة السياسية بعيدة عن أن تحقق أهداف الإسلام، واستولى العبيد والمغرورون على مقاليد الأمة الإسلامية، وأصبحت أهدافهم ومثلهم تنبثق من بطونهم وفروجهم، وخضع الكل لتحقيق تلك الأهداف، كما شاعت في المجتمع الإسلامي عقائد تضلهم عن طريقهم وتسلك بهم في مهاوي الانحطاط ومزالق الفناء، إذ كانت تصادم معاني التوحيد الصافية وغيرها من العقائد التي كانت تشكل منابع السعادة للمجتمع الإسلامي.

ومن الطبيعي أن يكون لعوامل الهدم زمن طويل ليتاح لها القيام بدورها في تهديم ذلك الصرح العظيم، الذي بني على أسس قوية، وقيم خالدة، ومنذ الفتنة الكبرى وتلك العوامل تتعاون ويتفاقم خط هجومها على المجتمع الإسلامي في العقائد والأفكار، وكانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت