فهرس الكتاب

الصفحة 761 من 5287

دعوة الحق، س.2، ع2 /نونبر 1958 ص 13

للأستاذ: عبد الكبير الفهري الفاسي

سفير المغرب في تركيا وإيران

لا نعرف أمة تعيش وليس لها قيم ومقدسات، بل لم يتقدم لمثل هذه الاجتماع اليوم لم يسجل وجود أمة من هذا الرهط حتى في مجاهل إفريقيا واستراليا وجزر المحيط الهادي بين الأمم التي لا تزال في طورها البدائي. وغاية ما في الأمر هو التباين في المقدسات والقيم. وغريب ما في هذه الظاهرة من ظواهر الوجود الإنساني، وهو أن كل أمة نبذت في يوم من الأيام كلا أو بعضا من مقدساتها والقيم التي عاشت عليها قرونا من تاريخها

، إلا وبادرت في يوم من الأيام إلى استرجاعها أو استرجاع بعضها أو استبدالها بغيرها. لأن الطبيعة الإنسانية وحياة الاجتماع تأبى الفراغ الكلي، والعدم، كما يقول العلماء عن الطبيعة في الوجود بأن أكره شيء لها هو الفراغ. وهذه الحقيقة الراهنة العظيمة مشاهدة كذلك في حق الإنسان وفي حق الاجتماع.

فكل من قام بحركة أو قام بدعوة تهدف إلى ترك المقدسات، فإنما يضرب في حديد بارد، لأن المقدسات هي لحمة كل أمة وسداها. ولا يمكن أن تقوم أمة بدونها. وإذا ظن ظان أن ذلك في الإمكان فإنما هو في الواقع يمشي في سبيل رائدة فيها سراب.

ولو أردت أن أثقل كاهل القارئ بشواهد التاريخ على واقعية هذه الحقائق؛ لرأيته يرزح تحت عبئها. ويكفي أن نقول أنها حقائق يثبتها العلم في جميع مذاهبه، حتى حسب التحليل الماركسي للتاريخ، ألم يقم لينين وستالين أو غيرهما من أقطاب الشيوعية مقام قصير روسيا في التقديس والتعظيم؟ ألم تقم الشيوعية وغيرها من المذاهب التي تستلهم نظرياتها من مختلف المذاهب المادية، مقام ما كان قبلها من النظم، دينية أو اجتماعية؟ وهل أبراهام لنكلن أو جورج واشنطون لا يحظيان بقداسة لا يحظى بها كثير من ملوك الدول التي حكمت البلاد الأنجلوسكسونية؟ ألم تقم ثورة فرنسا على انقاد دين وملكية، اضطرت بعد زوالهما إلى خلق إلاه معبود سمته العقل؟ وهل نحن في حاجة إلى التمثيل بتركيا الفتاة، وما آل إليه أمرها بعد الانقلاب الكمالي الذي أعقبه مع توالي الأيام رجوع إلى مقدسات يظهر بعضها في سلوك القوم وتسارعهم إلى بيوت الله كلما ناداهم منادي الفلاح في مساجد رائعة الجمال بالغة أقصى حدود الجلال.

فإذا كان الأمر استبدال أمر بأمر، فالأفضل إبقاء ما كان على ما كان. لأن التجارب حكمت بصلاحيته في كثير من الميادين ولأنه صقلته المحارب.

نعم. لنا أن نؤكد أمرا هاما في الموضوع، وهو أن بعض المقدسات قد يسودها، بل ويطغى عليها مع تعاقب الأيام، فضوليات وطفيليات تعوقها عن سيرها الطبيعي المستقيم، وتعيش في ظلها، بل تعيش على (( حسابها ) )أكثر مما تعيش هي لنفسها أو تعيش للشعب الذي هي منه واليه.

والخطأ كل الخطأ هو التخليط بين المقدسات التي هي أصل وركن وجوهر في صميم الأمة، وبين ما زاد عليها وليس منها، وإنما هو فرع وجانب من الجوانب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت