فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 47
صراع في ظلال الأطلس: يحيى ابن يوسف
الأستاذ: عبد المجيد بن جلون
ذهبت نفسه حسرات على الأيام الماضية، تلك الأيام التي كان يرفع فيها كيس القمح بيد واحدة، ويحمله إلى داخل المنزل، ويثير الرعب في أشد القلوب ثباتا، وأصلب النفوس عودا، ويقضي حياته في المشاكسات وخوض حلبات المقاتلة والعراك.
أجل لقد بات عم مكوار أخيرا في أرذل العمر، وهو يجيب اليوم أجوبة مختلفة على كل سؤال يوجهه إليه الناس عن سنه، لأنه لا يعرف متى ولد، فقد أتى إلى هذه الدنيا في الأيام التي لم يكن يحسب فيها للإنسان حساب، ولذلك كان ميلاد المرء لا يدعو إلى الاهتمام بحيث تستخرج به شهادة ... فإن عم مكوار يخال أنه في مثل قدم السماء والأرض، وأنه لا أول له لطول الذي قضاه في الحياة، وتبدو له أيام طفولته وشبابه وكهولته بعيدة لكثرة ما تراكم عليه من الأسابيع والشهور والأعوام، بل إنه لا يذكر مطالع شيخوخته فقد أصبحت هي أيضا بعيدة بعيدة ...
قصة
وحينما تختفي قوة الإنسان الجثمانية، لا يجد بدا من أن يستعيض عنها بقوة أخرى، وخصوصا إذا كانت تلك القوة الجثمانية قد صرفت طاقتها في أسباب العراك والخصام التي كانت تذهب في كثير من الأحيان إلى حد العناد والتحدي والاعتداء أيضا، أما القوة التي استعاض بها هذا الشيخ الطاعن في السن قوته الماضية، فكانت تتمثل في سخريته اللاذعة التي بات يستخدم فيها لسانه وعينيه ووجهه وحركة كتفه وذراعيه وبدنه جميعا.
قال عم مكوار لنفسه بعد أن تأمل ما آلت إليه أمور الحياة في مرارة ساخرة:
تالله إنها لفاجعة، أحفادي وأبناء أحفادي وربما أبناء أبنائهم يجرون في الشوارع كالأبالسة، لا يرهبون رصاصا ولا مدفعا ولا طائرة، والعم مكوار قابع هنا في بيته كأن لم يرفع يده بالأمس ... ويقتحم عليه الجنود عقر داره ليفتشوا غرفها ويتلفوا أثاثها ويفزعوا سكانها، والعم مكوار لا يأتي حراكا، وإنما يقلب عينيه بين الجنود وأسلحتهم، ويتأمل ما هم فيه من جهد، فإذا علت وجهه بسمة ساخرة نظر إليه الجنود شزرا فعاد العبوس إلى وجهه سريعا، وهو أكثر سخرية من البسمة الزائلة.
إن تلك الزوابع التي كانت تسير أمامه وفي أثره أجيالا بعد أجيال قد تحولت إلى صوت خافت أبح، ونظرات منطفئة، وخطوات متهالكة، وعزم كسيح.
فما بقي في الحياة مما يستطاب؟ شيء واحد .. السخرية .. فلولا السخرية وحدها لانقطعت أسباب الحياة، فقد استعاض عم مكوار بقوتها عن كل سلطان ونفوذ وقوة ...
فكيف يعمد الغلمان إلى قوة سواعدهم لمنازلة هؤلاء الغزاة الفاتحين، ولا ينازلهم هو بالقوة الباقية التي يعتز بها؟ ولما لم يسعفه الرد، أخذ يتساءل .. أليست هذه بلاده كما هي بلادهم؟ أليس هو أولى بالدفاع عنها منهم لأنه مدين لها بالحياة كل هذه الأدهار الطويلة؟ ثم أليس من الخجل أن يلزم عقر داره والمعركة دائرة على أشد ما تدور المعارك احتداما وقوة؟