فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س5 - ع6 مارس 1962 ص22
أبحاث ومقالات: ترميم الكوجيطو الديكارتي على ضوء الشخصانية الواقعية
للدكتور محمد عزيز الحبابي
إن المعرفة تبدأ من الشعور التلقائي الساذج لتصل إلى الشعور بالذات، لكنها لا تستطيع بانفرادها أن تفسر ماهية الموضوع بل ولا حقيقة المعرفة. إنها تبرز الأشياء وقد أزيل عنها الغطاء سابقا، تبرزها كمشهد أو كطرف من الأطراف في نسبة يتقدم وجودها على عملية المعرفة. إن أول ما يفعله الموضوع الذي يريد معرفته هو تنبيه الشعور الساذج، ومن هذا الشعور يقع الانتقال إلى الشعور كمعرفة، ثم إن هذا الشعور الأخير ينقلنا من الموضوع إلى كائن آخر، كائن أكثر كثافة من الناحية الأنتولوجية. فمن طريق الشعور كمعرفة نصل إلى المعرفة النظرية التي هي مظهر ذو امتياز مرموق من بين مظاهر الشعور بالذات، ثم إن المعرفة والشعور يجدان أساسا لهما وهو حتمية تحقيق الـ"أنا"تحقيقا مليئا كذات عاقلة.
هناك الشعور، والوعي، والذات الواعية، وموضوع الشعور. إن الشعور يميز ويخصص الذات، ولكنه لا يحددها في تعريف تام، فليس الشعور عند الرضيع شعورا بالشعور، أي وعيا. فوجود وعي يستلزم وجود شعور سابق عليه. والشعور من جهته، يستلزم وجود الأزواج الآتية:"أنا- أنت"و"أنا - هذا"و"أنا-ذاك"... فلا شعور أبدا إلا مع اتصال وثيق بمحور الذات - موضوع، حيث يتمتع الـ"أنا"بقوة تموضع الذات"كما في الكوجيطو مثلا"وفي الحالة التي يوجد فيه"الأنا"وجها لوجه مع ذاته كموضوع لها، يصير الوعي انعكاسا للشعور على نفسه. فامتزاج المعرفة بالشعور امتزاج كلي دون أن يكون دائما كاملا. وعلى عكس ذلك، حينما يختلف الموضوع عن الذات تحدث ظاهرة مزدوجة، نشاط يتصل بالمعرفة ونشاط للإنارة يصاحب الأول، ويصدر عن الشعور. إذن، ميدانان يتواجدان ويختلفان في نفس الحين. وفي هذه الحالة يكون موضوع المعرفة موضوعا في -موضع- هنا -الآن- أمام ...
فإلى جانب المدرك يوجد الشيء المدرك، ولكن إن اختلفت بعض بنياتهما فإنهما يتصلان عن طريق الأدوار التي يقوم بها كل واحد منهما في عملية الإدراك المشترك. نقول إنها عملية مشتركة لأنه لا يمكن حصول أي إدراك إذا انغمس المدرك أو المدرك في سكون تام. فالذات المدركة لا تتحرك إلا إذا لفت انتباهها الموضوع المدرك، أي إلا إذا هيج الشعور ودعاه إلى المعرفة. هناك ألف شيء وشيء يقع في الحقل البصري، لكن لا يصير موضوعا لإدراكي إلا القليل منها، لأن جميعها لا تشارك بالتساوي وفي نفس الوقت في الفعالية التي تجعلني أدرك أي أميز هذا من ذاك. فالصورة التي تنطبع في شبكية العين تصدر عن مركز أوحد، حيث الأشياء يغطي بعضها البعض في تزاحمها، مما يضيق نطاق ما يقع عليه نظرنا في العالم. فنحن هكذا محدودون من الناحية الفزيولوجية.
لكن حتى في داخل هذه الحدود ألاحظ أن الأشياء المرئية لا ترى إلا طبقا لقانون الاختيار والتدرج. لنفرض أني أجد محبرة بين الأواني فوق مائدة الأكل. فوجودها في هذا المكان يلفت نظري، ويثير انتباهي. كذلك الفراغ الذي خلفه تمثال اعتدت أن أراه في ساحة المدينة. هكذا يمكن لتغيير ولو خفيف أو لفراغ أن يكون قوي التعبير والبلاغة، مما يثير حدة انتباهنا. من هنا يتبين أن الإدراك ليس مجرد نظر يلقى على الموضوع بصفته موجودا