فهرس الكتاب

الصفحة 3453 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 ص 72

آفاق ف: الموسيقى الأندلسية والشباب

للأستاذ: عبد الله الجراري

الموسيقى فن من الفنون الجميلة التي تطبع على محبتها والافتتان برقتها النوع البشري إذ كان بخيمه وخليقته يستلذها ويتعشقها عن طواعية وهوية في اندفاع مدهش يضعه أحيانا في قمة النشاوى خفة وطربا - ولا بدع ما كان الفن الموسيقي يسيطر أحيانا حتى على بعض الحيوانات العجم، فتنسى ما يعلوها من أتعاب ومشاق وتقطع الفلوات المترامية الأطراف متأثرة بأصوات الحداة وأراجيزهم المتزنة الخالدة - لا سيما إذا صدرت عن مثل كعبد والغريض ومن إليهما ممن أوتوا مزمارا من مزامير آل داوود، فتلك آية الفن الكبرى التي يسجد لها أرقاء الطبع وفنانو الغريزة الذين خلقوا لتنسم نفحات الأصوات والتقاط ذررها الفتانة واكتشاف ذراتها في كل صقع من أصقاع الأريحية والسلو.

فهم الذين أدركوا وأدركوا وحدهم أسرار الفن ومدى مزاياه على النفوس والأرواح تسلية وخفة ونشاطا، بل ذكروا أن له تأثيرا على الدورة الدموية وتصفيتها، أدرك حقيقته أجدادنا فقاموا بواجب تنشيط فنونه فوقفوا الرباع والعقار لتنظيم أجواق وترتيب هيئات فنية لتطرب الحمقى بالمارستانات والمستشفيات بأصوات وأنغام فعالة لها عملها الحميد في المصابين بالأدواء العقلية على الأخص، ومن وراء هذه الظاهرة الساحرة كان كل صوت يعد بمثابة موجة من الأمواج السابحة في الفضاء لها ذبذباتها الخاصة التي تقع على حاسة السمع مندفعة نحو الدماغ فتسري منه في النفس سريان الكهرباء في السلك حيث تحس الذات بانفعال لطيف، وخفة مريحة تستطيع الروح به استرجاع ما فقدته من كمال ونشاط، وهذا ما جعل علماء النفس وأطباءهم في المقدمة اليوم يعالجون المرضى ومرضى العقول والأدمغة بواسطة الموسيقى وأنغامها الشجية والرقيقة التي تغالب تلك الادواء وتقاومها في لطف كما يقاوم الدواء المادي - الداء بعراك المادتين أو الميكروبين بتعبير صحيح، فيشعر المريض وقتما تأخذ الأصوات في أنغامها بدبيب في نفسه كأن سنة نوم تأخذ الأصوات في أنغامها بدبيب في نفسه كأن سنة يوم يستيقظ من كراه كأنما نشط من عقال، وهذا الفيلسوف (جان بودن) يقول في كتابه الجمهورية: ان الموسيقى تطرد الشياطين، ويرمي إلى هذا المعنى ما عرف في بعض الأوساط المغربية بالحضرة أو جوقة (كناوة) بما ينشأ عن أثرها من خفة ونشاط للمصروع أو المصدوع أثناء سماعه لآلات هذه الأجواق من طبول وأوتار وقراقب ومزامير مدعين أن أرواحا جنونية تقمصت نفوسهم، وأخذت تنطقهم بما يتفوهون به في تغيير أصواتهم العادية، بغض الطرف عن مصادمة هذا الاعتقاد الصحيح قاصرين النظر على النتائج الملموسة، هذا ما يجعل الموسيقى في الصف الأول من المعالجات الروحية لاجتثاث الأدواء العقلية كدواء ناجع يغني عن باقي الأدوية المادية، إذ الصوت أو النغم ينزل منزلة الإشعاعات الكهربائية التي تسلط على الداء بكيفية علمية ومقدار محدود حسبما يتحمله جسم المصاب، وذلك ما يجعل الموسيقى عنصرا مساعدا له فعاليته القوية في الطب، وفعلا فقد أدخلت الهيئة الصحية العامة في الأرجنتين على وسائلها شيئا جديدا يقوم على أسس علمية حديثة ثابتة، ذلك أنها ابتدأت تستعمل الموسيقى كأساس للعلاج في المؤسسات الصحية العامة، فأصبحت الآن تعزف فيها في بعض الأحيان موسيقى سيمفونية -للملحنين كلاسيكيين ذات أثر كبير في المرضى.

وإذا كان فن الموسيقى بهذا الاعتبار له أهميته السلوانية من جهة، والعلاجية من جهة أخرى كان أبناء الصدر الأول خصوصا من يعلم مقداره يعدونه من أجل العلوم في ظرف كان لا يتناوله سوى أعيانهم وأشرافهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت