فهرس الكتاب

الصفحة 4846 من 5287

دعوة الحق، س.6، ع5 /فبراير 1963 ص46

نظرات حول كتاب:"صبح الأعشى"للقلقشندي

للأستاذ: محمد بن عبد العزيز الدباغ

بعد انهيار الدولة العباسية ببغداد سنة 656هـ على يد هولاكو، وبعد استيلاء التتار على معالم الثقافة العربية بالعراق، تأسست دولة المماليك بمصر والشام وعمل ملوكها على نشر الثقافة الإسلامية والمحافظة على قوة اللغة العربية، فأسسوا دولة المماليك بمصر والشام وعمل ملوكها على نشر الثقافة الإسلامية والمحافظة على قوة اللغة العربية، فأسسوا مدارس مختلفة، وشجعوا الحركات العلمية، وأكرموا الوافدين عليهم من جميع الأقطار، وربطوا العلاقات بينهم وبين ملوك المغرب، فكان كثير من العلماء ينتقلون من المغرب إلى المشرق عاملين على إثبات الألفة بين عامة المسلمين.

ولقد أدت عناية المماليك بالعلم إلى ازدهار ظهر أثره في المؤلفات التي خلدها التاريخ لرجال كان همهم نشر الثقافة الإسلامية، والمحافظة على اللغة العربية، وكان يظهر على هاته المؤلفات طابع الموسوعية التي تعتبر علامة للنشاط الثقافي العام حينذاك، ومن أهم هاته الكتب كتاب (( صبح الأعشى في كتابة الأنشا ) )، لأبي العباس أحمد القلقشبندي المصري، المولود سنة 756هـ والمتوفى سنة 821هـ.

صبح الأعشى هذا كتاب يحتوي على أربعة عشر مجلدا تشتمل على ما يقرب من سبعة آلاف صفحة، وهو كتاب رائع من الكتب التي لا يستغني عنها الأديب، أو المؤرخ، أو عالم الدراسات الاجتماعية، أو المتهم بالنظم الإدارية والانقلابات السياسية، لأنه كتاب حوى من كل فن طرفا، مع سلاسة في الأسلوب، وروعة بهاته التسمية لأنه يعتبره نورا يهتدي به الكتاب إلى معرفة صناعتهم، ومرشدا لهم يقوون به ملكاتهم، ويوسعون بمحتواه ثقافتهم، ويصعدون بسببه مدارج الرقي.

فالأعشى في اللغة هو ذلك المصاب بمرض في عينيه يفقد بسببه الرؤية إذا انعدمت أشعة الشمس، فهو يرى نهارا ولا يبصر ليلا.

سبحان من قسم الحظو ظ فلا عتاب ولا ملامة

أعمى واعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامة

ولا ريب أن الأعشى لا ينتظر للفرجة عنه وإبعاد الظلمة عن عينيه غير الصباح، فإذا كان هذا الكتاب بمثابة الصبح للأعشى، فمعنى ذلك أن الكتاب لن يوفقوا في خطتهم إلا إذا درسوه، ولن يبدعوا في صناعتهم إذا لم يجعلوه رائدا ومنارا.

والمراد بكتابة الإنشاء، كتابة ديوانها، وهو ديوان كان يتولى متقلده مهام جسيمة ترجع إلى تنظيم المراسلات العامة، سواء منها الصادرات والواردات، والعمل على تنظيم البريد، والاهتمام بشؤون الجواسيس والعيون. ولا ريب أن الاهتمام بمثل هذه الأمور يتطلب من الكاتب أن يكون قوي الملاحظة، حاد الذكاء ذا خبرة عامة ومرونة سياسية، لأنه الواسطة بين ملكه وبين باقي الملوك في الأرض، وقد يؤدي إهماله لواجبه أو جهله بصناعته إلى قيام حروب وخلق عداوات وحزازات، فمن المعلوم أن الرسائل صورة لمرسليها، وان لهجاتها تختلف باختلاف المرسل إليهم، فهي تحتاج تارة إلى المراوغة، وأحيانا إلى الوضوح، وآونة إلى الشدة، وتحتاج في بعض الظروف إلى الاحتمال والتورية والتعويض، فكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت