فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س. 1، ع6 /دجنبر 1957 ص14
للعلامة السيد أبي الأعلى المودودي
أمير الجماعة الإسلامية بالباكستاني
هذا، وتعالوا ننظر في أحوال هذا الرجل من ناحية أخرى:
ما كان هذا الرجل حتى الأربعين من حياته إلا رجلا من عامة رجال العرب، وتاجرا عاديا من تجارهم، لم يجد فيه أحد خطيبا مصقعا يسحر الناس بنصاعة بيانه وقوة كلامه، أو حكيما ينطق بالحكمة ويتكلم على الإلاهيات وفلسفة الأخلاق والتشريع والسياسة والإدارة والاقتصاد والاجتماع، أو يحرك شفته بكلمة عن الله والملائكة والكتب السماوية والأنبياء السابقين والأمم الخالية والقيامة والحياة بعد الموت والجنة والنار.
كان معروفا في قومه بطهارة القلب وجاذبية الشمائل وسمو السيرة ونزاهة الأخلاق والأعمال، ولكن ما كان أحد قد تنبه في حياته قبل أن يبلغ الأربعين سنة، على شيء غير عادي، يتوقع على أساسه أن يقوم بنوع من الدعوة والدعوى في المستقبل.
ولا شك كذلك أن كان الناس يجدون فيه حتى ذلك الحين رجلا ميالا إلى الصمت والعزلة محبا للخير والسلام، ولكن ما أعظم دهشتهم جميعا إذ وجدوا فيه شخصا غير شخصه، لما نزل إليهم من غار حراء بعد بلوغه الأربعين، وبدأ يتلو عليهم كلاما عجبا لم يكن لآذانهم عهد بمثله، وكان من شدة تأثيره وسرعة تملكه للأذهان والقلوب أن كان أعداؤه منهم يخافونه على أنفسهم، وكان من فصاحته وحلاوة بيانه ونصاعة أسلوبه أن كان كبار قومه ينهون الناس عن الاستماع له، ولكن كانوا هم أنفسهم يستترون ليسمعوا هذا الرجل يقرأه في بيته بالليل.
ومما لا يخفى على أحد أن هؤلاء العرب كانوا مزهوين ببلاغة كلامهم وفصاحة شعرهم وخطابتهم، ولكن لما تحداهم هذا الرجل الأمي بأن يأتوا ولو بسورة من مثل الكلام الذي يتلوه عليهم، عجزت عنه مصاقع خطبائهم وفحول شعرائهم أفصح وأبلغ ما كانوا.
ما كان هذا الرجل -كما قلنا قبل- إلا أميا فطريا نشأ في بادية أمة عريقة في الجهل والهمجية، منغمسة في الوثنية وعبادة الحجارة، ولم يشتغل قبل بلوغه الأربعين من حياته إلا برعي الغنم أو بالتجارة على عادة قومه، ولم يتح له أن يتلقى نوعا من العلم والثقافة والتربية، ولكنا نجده فجأة يصبح حكيما منقطع المثال، وقائدا للجيش عديم النظير، وقاضيا ماهرا، ومشرعا مبتكرا، وفيلسوفا نطاسيا، وسياسيا محنكا، ومصلحا للأخلاق غير عادي، بعدما نزل من الغار وشرع في دعوة قومه إلى رسالته. وجده قومه يأتي بحكم لم ينطق بمثلها أحد قبله ولا استطاع أن ينطق بها أحد في زمانه ولا بعده، بل لم يسمعوه هو نفسه ينطق بمثلها قبل أن يبلغ الأربعين من عمره.
لقد أتى هذا الأمي الناشئ، ربيب اليتم والعدم في قرية جاهلة من قرى الحجاز المقفر، بقوانين في الأخلاق والاجتماع والمعيشة والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وفي شؤون الحياة الإنسانية، لا يدرك كنهها فحول العلماء وحذاق الحكماء على بعد نظرهم، وخصب أذهانهم، وتجارب حياتهم، إلا بشق الأنفس، ولا تزال تنكشف للدنيا حقائقها وغاياتها وأسرارها على قدر ما تزداد تجاربها وتنضج أفكارها مع تعاقب الأيام والليالي.
إن هذا التاجر الصامت المحب للأمن والدعة، الذي ما أمسك بيده السيف للقتال، ولا تلقى شيئا من التربية العسكرية، ولا شهد طول حياته إلا حربا واحدة دون أن يشترك فيها بالقتال فعلا، وجدت فيه الدنيا دفعة واحدة محاربا شجاعا لا يؤخر القدم في أفتك ما يكون من الحروب وأضرسها، وقائدا فتح جزيرة العرب