فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 5287

دعوة الحق، س. 1، ع6 /دجنبر 1957 ص15

من أقصاها إلى أقصاها في مدة تسع سنوات، وبتنظيمه العسكري وروحه الحربية دالت على أيدي العرب العزل دولتان من أعظم دول العالم في تلك الأيام وأكثرها عدة وعتادا، في سنوات قلائل.

إن هذا الأمي الميال إلى العزلة والخلوة بنفسه، الذي ما وجدت منه رائحة الشغف بالسياسة حتى أربعين سنة من حياته، هو الذي وجد فيه قومه على حين فجاءة، مصلحا فذا، ومدبرا غير مطاول، ربط في مدة ثلاث وعشرين سنة بين قبائل العرب الواغلة في الهمجية والجهل والمشاحنة والتحارب، المنتشرة على وجه صحراء تزيد على مليون ومائتي ألف ميل مربع في طولها وعرضها، وجعلها كلها تابعة لدين واحد، ومدنية واحدة، وقانون واحد، ونظام للحكومة واحد، بدون أن يستعين في ذلك بالقطار أو بالبرق أو الإذاعة أو الصحافة.

غير أفكارها وعاداتها وطبائعها وأخلاقها، وبدل همجيتها بأنضر مدنية وأرقاها، وانحلالها الخلقي بالصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق، وتمردها وفوضاها بأحسن نظام لطاعة الأمر والتزام القانون، وجعلها -وهي أمة عقيم ما أنجب صلبها منذ قرون رجلا نابه الذكر- أمة أنجبت في مدة قصيرة آلافا مؤلفة من أعاظم الرجال وأبطالهم، سارت بذكرهم الركبان، وانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، يلقنون الناس الدروس في الديانة والأخلاق والصدق والأمانة والشرف والنظام والمدنية.

ما قام هذا الرجل بكل ذلك بوسائل الظلم والإكراه والمكيدة والغش والباطل، وإنما قام به بأخلاقه الزكية الآسرة للقلوب، وتعاليمه السامية الملتحمة بالأذهان، فهو بهذه الأخلاق جعل من أعدائه أصدقاء، وملك عليهم قلوبهم وأرواحهم برحمته، وسعة صدره، وشجاعة خلقه، وكرم نفسه.

وقد قامت في وجهه القوى الكاسرة الجبارة فكسر شوكتها وأذل أعناق أهلها، ولكن لما انتصر عليهم لم ينتقم لذاته من أحد منهم، بل غمرهم جميعا بفضله وإكرامه وإنعامه، وغفر لمن قتلوا منهم عمه وأخاه في الرضاعة وبقروا بطنه ولاكوا كبده، وأسبغ كساء العفو والصفح على من رموه بالحجارة، وضيقوا عليه الخناق وتآمروا على قتله حتى أخرجوه من وطنه.

كان من تواضعه وزهده في حطام الدنيا، وكسره لنفسه على كل ما نال من الملك العظيم، أن كان لا يعيش إلا عيشة الفقراء، ويدعو ربه:"اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع زمرة المساكين". وكان ينام على الحصير، ويكتسي الخشن ويسكن كوخا سقفه من سعف النخل، ويطعم القديد، بل تمر عليه أيام لا يطعم فيها شيئا، ويتجافى جنباه عن المضجع بالليل، ليقوم لعبادة ربه ويطيل فيها القيام، حتى تتورم قدماه، ولا يربأ بنفسه عن أن يعمل كما يعمل الأجير العادي، وما نشأت فيه إلى آخر أيامه غطرسة الملوك ولا رعونة الأمراء ولا تبختر العظماء، فكان يختلط بالناس ويعاشرهم وكأنه مثلهم وواحد منهم، ويشاطرهم كل ما ينزل بهم من الآلام والمصائب، ويجالس عامتهم حتى ليتعذر على الأجنبي إذا دخل عليهم أن يعرف من منهم سيد القوم وملك البلاد.

وهو عندما فارق الدنيا لم يترك لآله شيئا يرثونه عنه، وجعل كل ما كان في ملكه صدقة على أمته، ولم يقم لنفسه ولا لآله أدنى حق على أتباعه، بل حرم على آله أن يأخذوا شيئا من الصدقة، خشية أن تتقدم الأيام بأتباعه فيجعلوا صدقاتهم كلها لآله.

هل ينتهي بهذا فحسب ذكر مزايا هذا الرجل ومناقبه وكمالاته؟. الجواب: كلا، فإنك إذا نظرت نظرة شاملة في تاريخ العالم، وجدت أن هذا الرجل الذي ولد قبل أربعة عشر قرنا في مكة، ونشأ على الفطرة في بادية العرب، هو مؤسس العصر الحاضر، وسيد البرية، وزعيم الإنسانية في العالم كله، وأنه ليس بزعيم لمن يؤمنون به ويعترفون له بالزعامة فحسب، بل هو كذلك زعيم لأولئك الذين لا يؤمنون به ولا يعترفون له بالزعامة لأنفسهم.

لا يشعر هؤلاء بأن الذي يعرضون عن اتباعه ويكذبونه، ويطيلون فيه ألسنتهم بالذم والقدح، قد خالط أتباعه روح عصرهم الجديد، وأثر أبلغ تأثير في أفكارهم ونظرياتهم ومبادئهم لما يأتون أو يتركون من الأعمال في الحياة.

فهو الذي قد غير مجرى تصورات الدنيا عن الأوهام والخرافات وعبودية العجائب والرهبانية، إلى التعقل، وإيثار الحقيقة، والدنيوية القائمة على التقوى.

وهو الذي بدل طبيعة الدنيا المطالبة بالمعجزات المادية الحسية، وأنشأ فيها الذوق لفهم المعجزات العقلية، واعتبارها مقياسا للصدق والحقانية.

وهو الذي فتح عيون الباحثين عن آثار الألوهية في الأمور الخارقة للعادة، وعودهم أن يروا آيات الله الدالة على وجوده وتوحيده في آثار الأفاق والطبيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت