فهرس الكتاب

الصفحة 3301 من 5287

دعوة الحق س4، ع7 - /يناير 1961 ص 06

النظام الجديد للتعليم والتربية

للأستاذ أبي الأعلى المودودي

الحاجة إلى خطوة انقلابية:

إننا إذا كنا نريد أن نصلح الوضع التعليمي في بلادنا، فلابد لنا أن نخطو لذلك خطوة انقلابية حاسمة.

الحقيقة أننا في مرحلة من مراحل تاريخنا تلح علينا بأن تقضي على كلا النظامين الجاريين للتعليم في بلادنا، النظام القديم الديني كما يسمى، والنظام الجديد الذي إنما قام تحت حكم الإنكليز وسيادتهم حسب ما كانت تقتضيه سياستهم الاستعمارية ونبتكر بدلا منهما نظاما جديدا للتربية والتعليم يكون بريئا مما في هذين النظامين من النقائص والمعايب ويفي بكل ما لنا في حياتنا في هذا الزمان من الحاجات كأمة مستقلة بأمرها مؤمنة بدينها متطلعة -مع هذا- إلى معارج الرقي والازدهار. فهذا النظام الجديد للتربية والتعليم هو الذي أريد أن أبين معالمه وأوضح طريقة وضعه بهذه السطور:

1 -تحدي الغاية: إن أول ما يجب أن نقطع فيه ونفرغ من أمره قبل كل شيء آخر في مرحلة وضع هذا النظام الجديد، هو تحديد الغاية التي نقصدها بهذا النظام.

لا يقصد بعض الناس من التعليم إلا تحصيل العلم المجرد فيقولون بأنه من اللازم أن لا يلقن الطالب إلا التعليم الحيادي حتى لا يدرس مشاكل الحياة ومعاملاتها وحقائقها إلا دراسة عرضية objective Btudy ولا يستخرج منها النتائج إلا باستقلال رأيه، ولكني أقول أن مثل هذه الدراسة العرضية إنما تقوم بها آلات التصوير ولا يستطيع أن يقوم بها الإنسان أبدا، فإن للإنسان وراء عينيه ذهنا له على كل حال وجهة للنظر، وله في الحياة غاية وله ناحية مخصوصة للتفكير في مسائل الحياة، وهو لا ينظر ولا يسمع به ولا يستجمع في ذهنه من معلومات، إلا وأنه لا يزال يفرغها في قالب فكرته المخصوصة التي توجد فيه كشيء فطري أساسي، وأنه على أساس فكرته هذه، يقوم ذلك النظام لحياته، الذي نسميه «ثقافته» . فنحن إذا كانت لنا ثقافة في حقيقة الأمر وكنا أمة لها عقائدها ولها في الحياة غاية وأصول ومبادئ، إذا كنا أمة كهذه، فلابد لنا إذن أن تربي نشأنا الجديد لأن يفهم ثقافتنا ويقدرها حق قدرها ويعمل على الاحتفاظ بها بل على أسس عرضية أمة لا تلقن أبناءها ألا تعليما غير مصبوغ بصبغة ما ولا تربيهم إلا محايدين لا يقضون بحرية رأيهم هل عليهم أن يعملوا على حفظ ثقافتهم القومية التي ورثوها عن أسلافهم أم عليهم أن يلتحقوا بثقافة أخرى، ثم لا تفك تربي عليه أجيالها المتعاقبة بدون أن تفكر في أن تصبغه بصبغة ثقافتها. أما إن تختار لنفسها نظاما وضعته لها أمة غيرها، نظاما يحقر في نظر شبانها دينها وحضارتها وثقافتها وتاريخها إلخ ويطبع أفكارهم وآراءهم بطابع نظريات أولئك الذين وضعوا لهم هذا النظام، فإن هذا من أشنع أنواع الانتحار لا تكاد تقدم عليه أمة ما دامت لها مسكة من العقل والشعور، فنحن إذا كنا واقعين في هذه الحماقة في الماضي على ضعف منا وعجز ولكوننا مغلوبين على أمرنا، فلا معنى لإصرارنا على الاستمرار فيها بعد أن قد نلنا استقلالنا وصار لنا أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت