فهرس الكتاب

الصفحة 2005 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 ص 54

معركة المقاومة للاستعمار والتجمع للوحدة الكبرى في الأدب العربي الحديث

للأستاذ أنور الجندي

لأول مرة في تاريخ الأدب العربي المعاصر يكتسب تاريخ هذه الفترة (1820/ 1959) بطريقة موحدة لتيارات الفكر في المنطقة كلها، هذه المنطقة التي تمتد مندمجة شاملة تتمثل فيها (الوحدة الحقيقة) من المحيط إلى الخليج أو من المغرب إلى العراق وقد كانت جميعها تحت السيادة العثمانية (1) ثم وقعت جميعها في قبضة الاستعمار، وقد بدا ذلك عام 1820 عندما احتلت الجزائر وكانت قد سبقت ذلك محاولات لاحتلال مصر سنة 1799 بواسطة الحملة الفرنسية وقيادة نابليون وعام 1807 بواسطة الحملة البريطانية بقيادة مزيزر ولم يمض بعد ذلك أكثر من ربع قرن حتى سقطت الجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي وتوالت البلاد العربية ولم تلبث أن أسفرت الرب العالمية الأولى عن خطة شاملة تم بها احتلال أجزاء المنطقة كلها ما عدا الحجاز واليمن فقد ظلتا محتفظتين باستقلالهما، وفي خلال المرحلة الأخيرة من الحكم العثماني بدأت لمقاومة لهذا الحكم الأخيرة من الحكم العثماني بدأت المقاومة لهذا الحكم الاستبدادي الذي كان يمثله السلطان عبد الحميد في خلال فترة أربعين سنة (1868/ 1908) ثم يمثله حكم الاتحاديين بعد سقوط عبد الحميد وصدور الدستور، وقد كان اتجاهه أشد قسوة من عبد الحميد لأنه استهدف تتربك العناصر الداخلة في الدولة العثمانية والقضاء على القومية العربية، وقد أوجه العرب في المشرق (الشام والعراق والحجاز) هذا الحكم وقاوموه، وكانت مصر موئلا للأحرار الذين طاردهم استبداد العثمانيين وكانت صحافتها لسان صدق في هذا المجال.

ولم يلبث العرب أن تحرروا من السيادة العثمانية حتى سقطوا في قبضة الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والإسباني، وهنا بدأت مقاومة أخرى أشد قوة كان للأدب، نثرا وشعرا وقصة وللصحافة وللكتاب الأثر البعيد في هذه المعركة. ولقد قام الأدب العربي في هذه المرحلة الضخمة بدوره كاملا، فهو فضلا عن أنه استجاب للتطور ومثل مختلف الألوان التي عاشها الأدب العربي في تاريخ الطويل فإنه قد ابتدع (الأدب الوطني) الذي حمل لواء «المقاومة» للاستبداد العثماني ولطغيان الحكام ثم قاوم الاستعمار نفسه ونادي بالتجمع والوحدة وكشف عن أصالة الأمة العربية وقدرتها على المقاومة، وكان هذا الأدب نشيد الثورات المتوالية التي لم تتوقف في خلال قرن وربع قرن.

وكان الصوت المدوي الذي يهز القلوب ويدفع الجموع إلى الاستشهاد والفداء، وباستعراض صور هذا القرن وربع القرن من أدب «المقاومة والتجمع» نجد أن هناك عوامل موحدة تنتظم المنطقة كلها: إيمان بالحق الطبيعي في الحرية وإصرار على المقاومة، وصيحات عالية مدوية للتجمع وقلوب تخفق وتتلاقى في أنحاء الوطن العربي تستطيع بإيمانها أن تقاوم كل حلقات الإرهاب التي قام بها الاستعمار وحركات التغريب وأساليب التمزيق ومؤامرات التضليل، كان الشعر ينفث السحر ويهز القلوب ويدعم الروابط، كانت الأمة العربية تتنادى من المحيط إلى الخليج وتتجاوب.

ولعل الأدب العربي لم يتأثر بمأساة أو حدث كما تأثر بمأساة قصور صورة الغدر الغربي وحمل صورة الحقد والثأر وعبأ الشعور، فكانت مفتاح «اليقظة» التي شملت العرب والينبوع الذي تفجرت منه عواطف الكتاب والأدباء كما كانت وحيا وإلهاما للشعراء، وقد صور هذا الأدب أكبر أثرين خلفتهما النكبة

(1) عفوا يا أستاذ فإن المغرب الأقصى لم تشمله السيادة العثمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت