فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص15

للأستاذ محمد الحمداوي

كان ذلك أيام المحنة الفلسطينية، وكنا جماعة ضمنا مجلس، ونحن ندير الحديث في ألم وحزن وحنق، حول ما انتهى إليه أمر تلك المأساة، من اندحار جيوش العرب المسلمين، ذلك الاندحار الشنيع أمام الفئة القليلة من جنود يهود الذين دخلوا الأراضي المقدسة، وفعلوا فيها بأتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، نساء ورجالا وأطفالا، ما لم يفعله بآبائهم الأولين، آل فرعون يوم كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم في الزمن الأول. فقلت -كما أقول دائما- إن هؤلاء المسلمين لم يقع لهم ما وقع إلا لأنهم اتخذوا مهجورا ذلك الكتاب الذي أخذ به آباؤهم الأولون، فكانوا رجال «العمل» في كل عمل، ورجال الحكم في كل أرض، وأناسي الدنيا في لمحة من الزمن اتخذوا القرآن مهجورا فصاروا أعجز الناس في كل مأتى، وأقعدهم عن كل خير، وبذلك صاروا أذل من الأحمرة المقبرة في رباع آبائهم الأولين، التي امتلكها أناس أجانب وحملوا على ظهورهم في الأراضي المقدسة منها قوما أذلين كانوا أشتاتا في أطراف الأرض. وأذكر أن الحديث كان قد دار في الموضوع دورات فقلت في مداره: ماذا كنتم ترون لو أن بناة (الجامعة العربية الجديدة) بنوا جامعتهم على ما بنى عليه أصحاب محمد الأولون (جامعتهم الإسلامية الأولى) أخوة صادقة لا على دخن، وجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ونصر العقيدة والمبدأ، لا في سبيل الغرض القريب ودنيء المطمع، أكانوا يفترقون ويتأخرون ويندحرون؟

لو أن مدخلهم عندما دخلوا بجيوشهم أراضي فلسطين، كان مدخل آبائهم الأولين، أكانت تمنع يهود حصونهم وأعوانهم من الله؟

لو أن المقاتلين أعرضوا عمن خرج فيهم ليوضع خلالهم يبغيهم الفتنة وفيهم سماعون له، وصموا عن داعي من أتوا المنكر في ناديهم الذي سموه (مجلس الأمن) بإيقاف القتال، ولبوا داعي الله بالصبر والمصابرة والجلاد، أكانوا يردون على أعقابهم خاسرين؟

لو أنهم حينما قال لهم دعاة الهزيمة: إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ زَادَهُمْ ذلك إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، أما كان الله يصدقهم وعده، ويرجعهم برحمة منه وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوانه؟

ولكنهم خشوا تهديد (مجلس الأمن) في اللحظة التي كانوا أحوج فيها إلى خشية من ناداهم بقوله أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ { [من الآية 13 في سورة التوبة] فباءوا بالخيبة والخسران والاندحار أمام شرذمة إسرائيل الضالة، إنهم نبذوا القرآن وحادوا عن سنة من كان خلقه القرآن في الخاصة وفي العامة، وفي الحرب وفي السلم.

وكان في الحاضرين شاب من أولئك الذين كونهم (برنامج التثقيف الاستعماري) في هذه البلاد، ولم يعودوا يقيسون الأفكار والأعمال إلا بمقاييس من شكلهم على شاكلته، وصهرهم في بوتقته، فقال معقبا على ما ذكرت (إن عدم ائتمار من ذكرت بأوامر القرآن) دليل على أن القرآن لم يعد صالحا لعلاج الحال، ولا قادرا على أن يرفع من واقع الأمر شيئا، ولا كافيا لرفع المسلمين من هوتهم السحيقة التي سقطوا فيها حتى الدرك الأسفل.

أذكر أنه كان أمامنا إذ ذاك صحن من تمر فقلت -مشيرا إليه- هل تعتقد في حلاوة هذا التمر في الواقع ونفس الأمر؟ فأجاب: بلا شك، قلت: هل يقدح في حلاوته جهلنا نحن الحاضرين إياها، وحرمان أنفسنا من التمتع بلذتها من أجل ذلك الجهل لو كان؟ فأجاب: لا! بلا شك.

قلت إن القرآن هداية إلهية واضحة السبل والمعالم، ودستور أزلي خالد يشمل كل ما يحتاج إليه جميع بني الإنسان -لا العرب وحدهم- من قواعد، وقوانين، ومثل، وقيم صالحة لأن تكون أساس كل حياة حرة وكريمة، وقوية وعادلة، وقد شهدت الأحداث التاريخية في جميع مجاريها المتعاقبة على صحة ما جاء فيه كما سلمت بهديه الأفكار الصحيحة، والعقول الراجحة، والأنظار الخالية من تأثير الشبهات والشهوات في القديم وفي الحديث، ولا يضيره أن اتخذه قومه مهجورا، وعطلوا مبادئه، وحرموا نعمة العمل بما جاء فيه، فكان لهم من أجل ذلك، المعيشة الضنك، والحياة الذليلة، والفتنة الدائمة. ثم أخذت أذكر له ما حضرني إذ ذاك من مختلف الأدلة العقلية والنقلية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت