فهرس الكتاب

الصفحة 1876 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 ص 28

أبحاث ومقالات: حول الاحتفال بذكرى مرور أحد عشر قرنا على تأسيس القرويين

للأستاذ: عبد الله كنون

أذيع أنه سيحتفل في الربيع القادم بمرور أحد عشر قرنا على تأسيس القرويين، وهذا شيء حسن لو لم تكن القرويين اليوم في وضع لا تحسد عليه. ولا أبالغ فأقول إنه وضع لم تكن عليه في أي عهد من عهود الانحطاط التي مرت على المغرب -كما يقول بعض الإخوان من أساتذة القرويين أنفسهم- وإنما أقول ما هو واقع. وذلك أن القرويين بعدما كانت توصف بأنها جامعة، ولا تزال عبارة الجامعات المغربية تجيء في بعض الأحاديث، أصبحت الآن لا تزيد عن كونها كلية من كليات جامعة الرباط، بل إنني إذا أردت التدقيق قلت إنها أصبحت مكملة لكلية الحقوق، تلك الضرة القوية التي غطت على القرويين وسلبتها محاسنها كلها.

ولست ألقي الكلام على عواهنه، فهذه ليسانس الحقوق تخول لحاملها أن يتولى كل وظائف الدولة من الوزارة إلى مديرية الدواوين المختلفة إلى السفارة بالخارج إلى أعلى وظائف القضاء، في حين أن عالمية القرويين أقصى ما تخوله لحاملها أن يلتحق بسلك القضاء الشرعي إن ساعده الحظ، أو أن يعمل كأستاذ في المدارس الابتدائية بعد أن يجتاز مباراة ما وينجح فيها.

وبالأمس القريب كانت القرويين هي التي تزود الدولة بجميع موظفيها من الصدر الأعظم إلى أصغر كاتب في أصغر إدارة، وكان هؤلاء الموظفون يقومون بمهمتهم أحسن قيام، حتى لقد شهد لهم المارشال ليوطي في تقريره السري الذي رفعه إلى وزارة الخارجية الفرنسية سنة 1920 بالكفاءة والمقدرة، وقال: «لقد وجدنا في المغرب حقيقة، دولة وشعبا ووجدنا حكومة قائمة لها وزراء كبار وسفراء في الخارج على علاقات طيبة مع رجال الدول الأوربية ... »

فما عدا مما بدا الآن .. ؟

أنا لا أنكر أن تقدم الزمان وتطور الحال له تأثير في قلب الأوضاع، ولكن مما لاشك فيه أن معلومات حامل لسانس الحقوق ليست مما يؤهل حتما لكل الوظائف حتى الفنية منها، ومعلومات حامل عالمية القرويين لا تؤهل إلا لما ذكرت من الوظائف الهزيلة، والأمر المؤكد هو أن للغة الفرنسية دخلا كبيرا في هذا الشأن، فمنذ عهد الحماية البغيض، وبعد الاستقلال أيضا، عمل المسؤولون على «فرنسة» المصالح الحكومية والجهاز الإداري عموما فأصبح العمل يتطلب موظفين يحسنون اللغة الفرنسية ولو لم يكن لهم من المعلومات العامة -فأحرى الخاصة- إلا القليل.

وهذا الوضع إن كان يحتم على طلبة القرويين أن يتعاطوا اللغة الفرنسية بالخصوص -ولو لأجل المنافسة- ولا ينتظروا حتى تنجلي هذه الغمة عن جميع الأمة، فإن المخلصين لهذا المعهد الإسلامي العظيم -وأنا منهم- لا يرون له أن يتخلى عن مهمته الأصلية ويحور برنامجه حسبما تقضي به المصلحة الآنية والمنفعة العاجلة، لاسيما وإن هذا الامتياز الذي يحظى به متخرجو كلية الحقوق وحملة الشهادات الفرنسية على العموم، سينتهي حينما يوجد متخرجون في العلوم السياسية والديبلوماسية والاقتصاد وغير ذلك، فيتولون وظائفها بجدارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت