دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 ص 85
للأستاذ: عبد الوهاب بن منصور
خرجت فكرة إنشاء وحدة بين أقطار المغرب العربي من حيز التصور والرجاء إلى حيز التصميم والبناء، فبين 27 و 30 ابريل المنصرم عقد بطنجة مؤتمر بين الأحزاب الثلاثة الكبرى القابضة على زمام السياسة والحزب في تلك الأقطار لوضع الأسس التي ستقام عليها الوحدة المغربية في المستقبل.
وحادث كهذا لم يكن ليقع دون أن يثير انتباه الأندية السياسية في الخارج، والمحافل الوطنية في الداخل، بل لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن الاهتمام به فاق الاهتمام بمظاهر التقارب الإفريقي التي برزت في الشهر نفسه، لأن وجهات نظر الأقطار المغربية الثلاثة المجتمعة في طنجة، أشد تقاربا من وجهات نظر الدول الإفريقية الثمانية الملتقية في أكرة، وإمكانيات الاتحاد والتقارب بينها أكثر توافرا، يضاف إلى ذلك أن جبهة التحرير الوطني الجزائري شاركت في مؤتمر طنجة باعتبارها عضوا عاملا لا عضوا ملاحظا، وإلى هذه الجبهة تتجه أنظار الزعماء السياسيين والقادة العسكريين في العالم، لأنها هي ثاني طرف في الحرب الضروس التي تدور رحاها منذ أربع أعوام فوق أديم المغرب الأوسط، ولان هذه الجبهة عرفت كيف تعصف بسمعة فرنسا في الميدان العسكري، وكيف تعرضها للانهيار كدولة لها ثقلها في ميزان السياسية الدولية، فلا غرو إذا رأينا الدول التي يعنيها الأمر توفد على طنجة عددا من الجواسيس والمستطلعين، والصحافة المكتوبة والناطقة والمصورة تبعث بجيوش من المراسلين والمعلقين والملتقطين، ولا غرو أيضا إذا رأينا قضية الوحدة المغربية توضع على بساط الدرس، باعتبارها جنبنا تتمخض به أرحام الحركات القومية في الشمال الإفريقي، لا يلبث أن يرى النور ويخرج على عالم الوجود بمجرد ما تضع الحرب الجزائرية-الفرنسية أوزارها، وهي واضعة أوزارها لا محالة بانهزام فرنسا العسكري، أو تدخل أممي، طال الزمان أو قصر.
ولا تغفل أيضا خلفه مؤتمر طنجة في نفوس الوطنيين المغاربة-ولاسيما قدماؤهم- من آثار الغبطة والرضا، فإنهم رأوه يؤذن بتحقيق أمنية عزيزة طالما جاهدوا في سبيلها، وبلوغ مرام تحملوا من أجل بلوغه كثيرا من التضحيات.
والواقع أن إقامة اتحاد أو وحدة بين أقطار المغرب العربي أصبحت من الضرورات الحيوية الأكيدة، لا لوجود البواعث القوية الحادية إلى الاتحاد، الدائمة لصرحه في المستقبل فقط، ولكن لاجتناب كل سوء تفاهم بين هذه الأقطار وحفظ كيانها مجتمعة أيضا.
فمن جهة ستنشأ مشاكل وتستحكم خلافات-أن لم ينشأ هذا الاتحاد- بين الأقطار الثلاثة بمجرد ما تستقل الجزائر، ذلك أن فرنسا كانت تحسب أن سلطتها وامتدادها بالقارة الإفريقية سيخلدان، وقد جعلت الجزائر قاعدة هذه السلطة وهذه الامتداد، ووسعت من أجل ذلك أطرافها كثيرا على حساب المغرب وتونس وقد فتح الجزائري عينيه على خريطة الجزائر الحالية وهي تشمل ما بين الساقية الحمراء وليبيا، والمتوسط والسودان، ومن الصعب-أن لم يكن المحال- أن يقتنع بأن جهات واسعة مما تشتمل عليه تلك الخريطة