دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ص 45
للأستاذ: محمد الأمري المصمودي
إنا مسؤلون أمام التاريخ والأجيال المقبلة عن الإهمال الذي يخيم علينا حيال هذه الثروة الضخمة التي خلفها ذوو الفكر من أسلافنا المقدسين، ثروة في الدين، ثروة في الفلسفة، والآداب والرياضيات وجميع فروع المعرفة التي دفعت المدنية الإنسانية أشواطا بعيدة في معارج التقدم المادي والمعنوي، وأسوأ من هذا أن يكون الأجانب أسبق منا للتطلع إلى معرفة هذه الثروة العلمية ودراستها ووضعها في مكانها بين المحركات التي دفعت قطار الحضارة إلى الأمام، يفعلون هذا في الوقت الذي يجهل أكثرنا أي شيء عن حضارة الأسلاف، ولا أي مظهر من مظاهر تقدمهم الفكري والاجتماعي، ثم إن كثيرا من مثقفينا تراهم يستشهدون في معرض المذاكرة بآراء مفكري الغرب، يفعلون ذلك في حماسة وإعجاب بالأدمغة التي تفتقت عن هذه الأفكار أو تلك، ويجهلون للأسف أننا لا نعدم قط نماذج من مثل الأدمغة التي يتحمسون لأفكارها، إن لم تكن هذه صدرت عن تلك، واستمدت معينها منها، وليس القصد من هذا الدعوة إلى ترك التعرف على ما لغيرنا، بل القصد أن ندعو مثقفينا إلى معرفة ما كان لنا وما عندنا أولا، ثم ما كان لغيرنا وما هو كائن عند غيرنا في الدرجة الثانية.
وعلى هذا الأساس أتقدم لقراء مجلة (دعوة الحق) المباركة بغيض من فيض، وبارق من بوارق أحد رجال الفكر المغاربة، يعرف الكثير منا اسمه، وقليلون هم الذين درسوا كتبه أو اطلعوا على بعضها، لكسل فريق، وللنظرة الناقصة التي ينظر بها فريق آخر إلى مفكرينا العرب، كأن العبقرية لم تحط رحالها طيلة قرون في بلادهم الكبيرة.
لقد تعرض العلامة ابن خلدون في مقدمته من جملة ما تعرض له من المواضيع التي تتعلق بالعمران البشري، وما يتعلق بالبشر في حياته المادية والمعنوية، إلى الفكر الإنساني بالتحليل، ماهيته، طريقة عمله، وهو موضوع شغل علماء النفس طيلة أحقاب طويلة، ولا يزال يشغلهم إلى الآن، ولا تزيد آراء كثير منهم عن آراء ابن خلدون إلا في تفصيلاتها وتفريعاتها، وسأسعى جهد الإمكان لعرض رأي ابن خلدون ومقابلته بآراء علماء النفس، حتى يتضح لنا جيدا مدى قيمة الرجل العلمية، وبالتالي بعض الحقائق التي نستخلصها عن طريق رأيه في الفكر الإنساني.
فالفكر كما يعرفه: (وجدان حركة للنفس في البطن الأوسط من الدماغ) ، وقبل الشروع في مناقشة الشطر الأول من التعريف، نتساءل ما حد النفس عند ابن خلدون؟ ويكفينا مشقة التخمين للإجابة عن هذا السؤال، فيعرف النفس بأنها:(مؤثر روحاني مباين للأجسام، محرك ومدرك، وله طرفان أسفل وأعلى، فالأسفل متصل بالبدن، وبه تكسب الأشياء الحسية، والأعلى متصل بأفق الملائكة، وبه تكسب الحقائق العلمية والغيبية، وهي غائبة عن العيان، وآثارها ظاهرة في البدن، فكان هذا البدن وجميع أجزائه آلات للنفس وقواها، فالمحرك أو الفاعلية على حد تعبيره: البطش باليد، والمشي بالرجل، والكلام باللسان، والحركة الكلية بالبدن متدافعا، والمدرك- ولقوة الإدراك ترتيب وارتفاع إلى القوة العليا التي هي المفكرة وترتيبها عنده كما يلي:
1)قوى الحس الظاهرة بحواسه من السمع والبصر (أي الحواس)
2)قوى الحس الباطن، وهذا ينقسم إلى:
1)الحس المشترك، ويقصد به القوة التي تدرك المحسوسات المبصر منها والمسموع والملموس في حالة واحدة.