فهرس الكتاب

الصفحة 2187 من 5287

دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 ص 25

حديث هام للأستاذ الأكبر محمود شلتوت شيخ جامع الأزهر

أدلى الأستاذ الأكبر بهذا الحديث إلى مجلة الإذاعة قال: إن السينما بالنظر إلى ذاتها وبغض النظر عن قصصها وموضوعها وما يقترن بها، جهاز طيب صالح لاستخدامه في الاسترشاد بالمبادئ الإنسانية التي تضمنها التاريخ والسنن الاجتماعية «قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض» والواقع أنه ما من شيء إلا وفيه جانب الخير وجانب الشر، فلو خلينا جوانب الشر ونحيناها وأخذنا جوانب الخير وركزناها لكان لنا هذا الجهاز الصالح في التهذيب والتوجيه والإرشاد وبناء جيل قوي في مبادئه ومناهجه وأسسه وخططه ولعلك قد لمست الآن أن السينما عندنا بوضعها الحالي أداة تهدم ولا تبني، بل وتغري بالفساد وقد تدفع إليه، فإن أكثر جمهور نظارتها هم الشباب والشباب مشبوب العاطفة متأجج النظرات يتخطف ما يروي ظمأ وجدانه أو يرضي تياراته المتنازعة في نفسه المتزاحمة تزاحما يطغى على نضوج العقل وسلامة التفكير.

وطبيعة الحياة تقضي بألا يقدم لكل إنسان إلا ما يناسبه في حياته من طعام وشراب وكذلك في جانب القراءة والمعرفة وفي جانب الاطلاع بأي لون كان، سواء أكان في الإذاعة أو في السينما كذلك يجب أن ينتقي له ما يناسبه ويحفظ له كل مقوماته ويأخذ بيده إلى البناء لا إلى الهدم، والشباب كالمريض الذي يمر بدور النقاهة عرضة للعدوى بأي جرثومة ومن أي ميكروبة، لذا كان لا بد من اتخاذ الحيطة والحذر بالنسبة له وخاصة في الموضوعات السينمائية التي تحتل من نفسه المكانة الأولى. فالآفة إذن هي في الموضوع الذي يختار ليقدم لجيلنا ولمجتمعنا الذي نرجو له الخير في كل نواحيه وكذلك في شكل العرض وطريقة الإخراج.

وأنا لا أحب أبدا أن يقال أن الجيل الجديد من الشبان يتطلب كذا وكذا ويحتاج إلى مسايرة المدينة ولا بد أن تطوع أحكام الإسلام لمقتضيات الجيل، لا أحب أبدا أن أقوله ولا أحب أن أسمعه فإن تطويع الدين لغير الجهة التي حددها خروج عن وضعه وإفساد لتعاليمه.

وإنما علينا أن نفهم ديننا فهما صحيحا ولا نحكم فيه رغباتنا وشهواتنا، والإسلام بطبيعته، يدعو إلى التقدم الرزين وإلى النهضة القويمة وإلى المدينة السليمة ثم إلى العزة والكرامة، وحسب الفتيات عندنا والفتيان أن تغرس فيهم هذه المبادئ فتعرج بهم في مدارج الكمال وتسعى بهم صعدا إلى قمم المجد والسؤدد.

وأمتنا أمة ذات رسالة فلا يجوز أن تتخلى عنها ولا أن تتجاهل قيمتها ولا أن تتخلف عن حملها، لأن التخلف عن حملها يؤدي إلى إيجاد ثغرة بين ماضينا الإسلامي الزاهر وحاضرنا في النهضة المتوثبة المتوجهة إلى البناء والتعمير.

إن القصص الوافدة علينا في أفلام براقة تطوي بين جنباتها سهاما قاتلة وتنفث في مجتمعنا سموما تحطم الآمال في هذا المجتمع الجديد وترسم في عقول الشباب خطوط الفساد، وقد تخط في أذهانهم ما يدفعهم في وقت ما إلى ما يؤذيهم أو يؤذي مجتمعهم وما هذه الحوادث التي تقع من كثير من الشباب إلا أثر من آثار الأفلام التي تعرضها دور السينما في غير ما حياطة ولا حذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت