فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 ص 37
للأستاذ: محمد محيي الدين المشرفي
إن التربية التقليدية التي تأثرت إلى حد بعيد بالتربية اليونانية والرومانية وبالتربية المسيحية خاصة في القرون الوسطى كانت تمتاز بالشدة والقسوة على المتعلمين وكان المربون في ذلك العصر أبعد من أن يدركوا حقيقة التربية ومشاكل الطفولة أو يفكروا في السماح للأطفال أثناء الدرس حتى بقسط ضئيل من الحرية والعم الذاتي. ومن ثم كانوا يعاملونهم معاملة شديدة أساسها القمع والكبت.
والواقع أن تلك المعاملة الشاذة كانت وليدة الأحوال والظروف الاجتماعية والدينية التي كانت تحيط بالمدرسة العتيقة؛ فالناس كانوا منقسمين إلى طبقتين؛ طبقة الأسياد وبيدهم زمام الأمور كلها وطبقة العبيد والرقيق وكأنهم ما خلقوا إلا لطاعة الأسياد وتلقي أوامرهم في انقياد واستسلام! ثم إن التقليد الدينية وذلك خاصة في القرون الوسطى كانت تفرض فرضا على الناس بحيث لا يسمح لأحد في أن يرجعها أو بنازع فيها، وتطبيق تلك القوانين السماوية بصورة صارمة جعلت الجمهور ينقاد بسهولة لطاعة أولياء الأمور؛ أضف إلى ما سبق أن نظام الأسرة نفسه كان يمتاز بسيطرة الأب على أفراد العائلة كلهم ولم يكن هناك من تحدثه نفسه بمعارضة رب العائلة فيما أصدر من الأوامر أو أشار به من الرأي. لذلك كله كانت المدرسة القديمة لا تعني بوجود الطفل فضلا عن أن تفكر في 'طائه نصيبا من الحرية.
فلما ذهبت الارستقراطية السائدة في العصور القديمة وحل محلها نظام جديد -وهو السائد في الدول الديموقراطية المعاصرة- كان من المعقول أن تسري تلك النزعة الديموقراطية في جميع الهيئات الاجتماعية بما فيها المدارس الحديثة؛ ومن ثم قامت طائفة من المربين كمونتاني وروسو ومونتوري وغيرهم ينادون بمبدأ جديد في التربية يتلاءم مع روح العصر وهو مبدأ يرمي إلى إعطاء الأطفال قسطا كبيرا من الحرية، بل إلى إطلاق الحرية للطفل كاملة غير منقوصة داخل المدرسة.
والواقع أن أولئك المربين لم ينادوا بالمبدأ الجديد لمجرد طرافته أو تألبا على النظام العتيق وكفى، وإنما كان قيامهم بتلك الدعوة نتيجة لما أجروه من أبحاث في ميدان التربية ودراسة لمشاكل الطفولة دراسة سيكولوجية صحيحة أدت بهم إلى معرفة طبائع الأطفال والوقوف على ما يختلج في نفوسهم من نزاعات وميول. فكان شعارهم أن الطفل لم يخلق للمدرسة تتصرف فيه كما تريد، وإنما المدرسة هي التي خلقت للأطفال، فعليها إذن أن تدرس ميولهم ونزعاتهم وعليها فوق ذلك أن تعالج كافة الأطفال الموضوعين تحت كفالتها معالجة تلائم كرامتهم وشخصية كل واحد منهم حتى تهتدي بالتدريج إلى تعديل سلوكهم والقضاء على أسباب الشر الكامنة في نفوسهم.
هذا وإن أًصحاب المدرسة الحديثة يعللون نظريتهم السابقة بأسباب معقولة مقبولة، فيقولون إن الناس لم يخلقوا في جملتهم أسيادا حتى يسمح لهم بإملاء إرادتهم على الغير، ولا عبيدا يجب أن يتقبلوا تلك الأوامر صاغرين ويكرهوا إكراما على العمل؛ وإذا ما صح أن في كل شخص منا نزعتين نزعة إلى التغلب والسيطرة، ونزعة إلى الخضوع والانقياد -وهي حقيقة انتهى إليها العلماء بالبحث والاستنتاج- فأية حجة يستند إليها أولئك المسيطرون لحمل طائفة من الناس على الخضوع والامتثال، وطبيعتهم تدفعهم في الوقت نفسه إلى الاستسلام والسيطرة معا؟ أليس في ذلك استخفاف بكرامة الشعب؟ بلى، إن لكل شخص كرامة يجب احترامها، وتبعا لما تقدم يجب أن يترك الطفل في المدرسة حرا يفعل ما يشاء متى شاء؛ فلا نقوم في وجهه غاصبين لحريته، مهينين على شخصيته؛ ومن نتائج الأبحاث السابقة أن الكبت