دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 ص60
للأستاذ جمال الدين البغدادي
نستطيع أن نميز العصر الحديث بأنه عصر يبحث عن النمط الحياتي والمذهب التربوي الجديد يعتنقه في مكان الفلسفات القديمة التي أظهرت فشلها ونقص نظرتها العامة للإنسان والوجود، هذا العصر المضطرب حائر يعيش في القلق والثورة وكل شيء فيه يدعو إلى الشك والريبة. سراب يتلوه سراب فلا استقرار في هذا التبدل الدائم في شتى الميادين تجد ذلك في الفن والأدب والعلم والفلسفة، فهذا مذهب سريالي كفر بالمنطق والعرف العام، وهذا أدب انطباعي لا شعوري يعتنق الرمز والخلجات النفسية المرضية صورة للأدب الرفيع وهذه موسيقى هستيرية تحكي لك ألحان الزنوج وإيقاع الغجر وهذه روايات وأفلام اتخذت المجون والشذوذ الجنسي والانحراف الخلقي سببا للإثارة للنجاح ومدرسة للأخلاق الابيقورية بعد أن كان الذوق العام ينتهج المنطق والأخلاق المثل الرفيعة وفن التوافق الكلاسيكي، كل هذه المظاهر تعكس هذه الجوانب المضطربة لعصرنا الحديث غير أن هنالك جانبا آخر يكشف بوضوح هذه البلبلة الاجتماعية وهذا السعي للبحث عن آفاق جديدة هذا الجانب هو الفلسفات التربوية حول مناهج التعليم ومشاكل التدريس، مما جعل الكتابة والتأليف حول هذه المواضيع غزيرا دفاقا عميقا تارة وضحلا أحيانا.
ونحن كعالم عربي له شخصيته وله مشاكله نعيش نفس هذا القلق قلق الحضارة والمعاصرة ونحاول نفس المحاولات بحثا عن مذهب جديد وفلسفة جامعة تشمل التراث القديم ومتطلبات المدنية الحالية فقد خرجنا من ظلمات الاستعمار إلى فجر جديد ونحن محملون بالتناقضات العقائدية والفكرية ولا بد من الغربلة لإخراج تبر الذهب من الحصى والقشور وإجلاء الشخصية العربية المسلمة الناضجة من النفس الجاهلة المعقدة ولعل هذه التربية المنتظرة لا تعطى ثمارها اليانعة بالنسبة للجيل المخضرم الذي عاش عهد الاستعمار والاستقلال، وسيكون أبناؤنا أكثر حظا منا وأغزر انتفاعا من هذه التربية التي نعدها لهم وهي خالية من عقد النقص التي كانت تتحكم في التربية القديمة والتعليم السالف.
التربية إذا وسيلة خلاقة نستخدمها في التطوير والتأثير على الجيل الفتي مشيا مع التعريف الإرادي «الداركايمى» الذي يرى أن التربية هي تأثير الكبار على الصغار لا يصالهم إلى مرحلة النضج العام -والتربية مع ذلك معقدة المفهوم متداخلة الجوانب تمت بصلات القربى إلى العلم والفن والفلسفة ولو كانت التربية مجموعة من الأنظمة والمناهج لهان الأمر ولكنها لا تكاد تفترق عن الفلسفة الأخلاقية وفلسفة الوجود البشري ماضيه وحاضره ومستقبله- ويمكن لنا مبدئيا أن نربط التربية من حيث جانبها العلمي الموضوعي بعلم الحياة وعلم النفس وعلم الاجتماع: فروع من العلوم الإنسانية أصبحت تجيب على ما هو كائن بعد أن كانت هي نفسها فلسفات ارسططاليسية.
ولا شك أن علم الحياة هو القاعدة الأساسية للتربية- فالإنسان جسم حي وجهاز متحرك، والجسم السليم يؤثر في العقل السليم ولا سبيل إلى تربية الجسم ما لم نعرف أسراره وقوانين الحياة وتكوين الجسم الفسيولوجي والعضوي وشروط النمو العام وتمييز المؤثرات المختلفة الصادرة من المحيط الطبيعي على الجسم.
ومن علم الحياة ننتقل إلى المفهوم الاجتماعي للتربية كالتاريخ والسياسة وقوانين المجتمع -فالتربية تستفيد من الماضي الذي ينير الطريق للحاضر، ومعرفة المجتمع هي معرفة لمكوناته العريقة في سالف