فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 37
للأستاذ: محمد علي الكتاني
كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن الانحلال الديني، الذي أصبح يسيطر على الشباب، ويطغى على بعض طبقات الشعب، والذي يتنافى مع تقاليدنا التي عرفنا بها، ويتصادم مع أوضاعنا الإسلامية التي عرف المغاربة بتمسكهم ومبالغتهم في المحافظة عليها.
فالفرد منا أضحى يتجاهل أمور دينه، ويتعامى عن شؤون شريعته، والمساجد التي كانت تكتظ بالمصلين، أصبحت فراغا أو كالفراغ! وأيام الجمعة التي كان المؤمنون يتسابقون فيها إلى الصفوف الأولى، اعتراها نوع خمول ... وأصبح المسجد لا يرى الحركة إلا والخطيب على وشك الخروج ... وحتى إذا سرحت طرفك في الجموع المتراصة، لم تجد إلا الصانع والعامل ومتوسط الحال، كأن الجمعة لم تعد فرضا إلا على هؤلاء ... !!
ويتشاءم الكثير من هذه الحالة التي تنذر بالخطر، وتبتعد بنا عن تلك الرابطة التي جمعت بيننا، ووحدت صفوفنا وقفزت بنا إلى الأمام، وقضت على العنصريات والعصبيات، وكانت الوقود الذي دفع بحركاتنا الوطنية قدما حتى نالت النجاح المرموق والغز المنشود ... ويمضي المتشائمون فيرجعون ذلك إلى أسباب، ويوعزون هذا التراجع إلى نقص في التوجيه، وضعف في العقيدة، وميل إلى التقليد.
ونحن وان كنا نؤمن ببعض هذه المظاهر، إلا أننا لا نغالي في تشاؤمنا ولا نمضي فيه إلى هذا الحيز من التهويل، فما زلنا نعتقد أن حاسة الدين عندنا قوية جدا، وان العقيدة الكامنة في نفوسنا لا تستطيع أية قوة مهما بلغت من التنظيم والعدة، أن تقتلع جذورها، أو تكتم أنفاسها إلى الأبد، بل كل ما هناك أن البلاد تقطع في سيرها الطبيعي مرحلة صعبة، وتتبع حالة اجتماعية لا مناص منها ... هي مرحلة انتقال بين عهود ... والأمة في تكييفها بمظهر هذه العهود، تتزيى بأزياء تقيسها الواحد إثر الاخر، و تنتقي لنفسها الزي المناسب،. وتغفل بطبيعة التجربة زيها الأصلي، فإذا انتهت فترة المقاييس وتمت مرحلة التجاريب، وتيقنت بأنها اعتارت ما يتلاءم وطبيعتها عادت إلى جوهرها الأصيل وأحيته من جديد، وسارت به مزهوة نشيطة
... لذلك فمن الطبيعي أن سير المغرب السريع سيحطم بعض الشوامخ التي ينبني عليها عزه، وتقوم عليها أمجاده، ولكن إصلاح ما أنهدم وتجديد ما اندثر، ليس صعبا في حد ذاته. والتاريخ خير شاهد على ما نقول، فقد اجتازت بعض الشعوب محنا من هذا القبيل، وتغلبت على العواقب الحضارية، وخرجت من الامتحان بسلام.
لكن هذا لا يمنعنا من أن نلاحظ أن مرحلتنا نحن صعبة، وأننا إذا لم نعالجها بالحكمة والصبر والثقافة فإننا سنخسر الصفقة، فالواقع أننا من الشعوب-إذا أردنا الصراحة- التي تندفع اندفاعا، سواء في توئبنا إلى الخير أو انحرافنا عنه إلى غيره، فحركتنا لا تعرف الحدود أو تقف عند القيود! بل نغامر غير حاسبين لأي شيء حسابه. وما دامت هذه السروح تسيطر علينا فلا مناص من الاعتراف بان الحالة خطيرة، وتستدعي علاجا مناسبا ... ومن هنا وجب أن نبحث عن المشكل الحقيقي ونرد الأشياء إلى حقائقها، ونوضح الظروف والملابسات التي عمات وتعمل على سيرنا في هذا الطريق المنحرف، وبمعرفة ذلك نستطيع أن نضع أيدينا على الوتر الحساس لكل ما نتخبط فيه.
اعتقد أن المسؤول الأول عن هذا هو:
1)التربية الدينية: فقديما كان للآباء نفوذ قوي على أبنائهم، وكانوا يسيرونهم حسب الاتجاه الديني، ويغرسون في نفوسهم الإيمان، ويعودونهم على التخلق بأخلاق الدين، فينشأ الطفل وهو يرى أباه يصلي وعائلته تتدين، فيتعبد بالسليقة ويؤمن بالتقليد، ثم يتعود على ذلك تدريجيا فيصبح مؤمنا ... وكانت الكتاتيب والمدارس لا تشتغل غالبا إلا بأمور الدين-ودعك هل كان ذلك حسب الاتجاه السليم أم لا- فيحفظ القرآن ويتلى وتدرس العلوم الموصلة إلى فهمه ... وكانت الجماهير تتأفف من كل عمل يتنافى مع الدين وحيث كان وعيهم من هذه الناحية قويا، فما إن يسمع صوت المؤذن حتى يترك كل ذي عمل عمله، ويهرع إلى بيت الله ليؤدي واجبه ... فلماذا أصبح الآن؟.