فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع10 /ابريل 1958 ص 38
لقد ضعفت سلطة الآباء، وترك للأبناء الحبل على الغارب. وحتى إذا أراد الأب أن يفرض إرادته نعت بأنه رجعي متزمت، وأوشكت أزمة عائلية أن تقع ... ونقصت التربية الدينية في المدارس-وهذا الأمر ملحوظ- لطغيان المواد الأخرى، وتهاون القائمين بتلك الحصص الدينية، لا عن قصد منهم، بل لقصر المدة أصبحوا لا يعطونها ما تستحق من اهتمام، متناسين أنهم مسؤولون عن أفئدة، بإمكانهم لو صبروا وصابروا لأنشأوا منها جيلا صالحا، فالتعليم الديني المبكر مفيد ومهم جدا. فالطفل يستطيع أن ينمى-كما يقول هزليتك- الشخصية الصالحة بان يعرف أن عليه أن يفعل أشياء كثيرة لم يكن ليفعلها بطبيعته، بل يكرهها في الواقع، والأطفال عادة لا يميلون إلى النظام، كما أن قصورهم الذاتي في اكتساب العادات الصالحة، يتطلب كل مجهود مستطاع للتغلب عليه، والدين هو أعظم مصدر للمساعدة في هذه الناحية، لا من وجهة النظر النفسية فحسب، بل من وجهة نظر الإدراك السليم.
أن الإيمان بالله وتعاليمه وبالأنبياء يزود الآباء بثقة وسلطان على أطفالهم لا يتاحان لهم من أي مصدر آخر، ويزيد هذا العالم النفساني فيقول:
إن الطفل الذي غرس في عقله في وقت مبكر، أن الله موجود كحكم أعلى بيده الخير والشر، قد اكتسب في الواقع الدافع الأساسي لاكتساب العادات الصالحة وتنميتها، بدلا من أن يكون أساس عمله للأشياء هو حبه لها أو عدم حبه لها، يصبح الأساس هو الخطأ والصواب الخ ... والجمهور هو الأخر طغت عليه الشؤون المادية وأغوته مصالحه الدنيوية فانغمر فيها بقلبه ووجدانه، وانغمس في حساباته وشبكاته .. فليناد المنادي فهو في غفلة عن ذلك كله؛
1)تكاليف الحضارة: فالمدنية ليست خيرا كلها، فهي كما تحمل الرقى والعظة تحمل بعض السموم، ـ ولست أرى أن الدين يتنافى مع الحضارة، بل إن الدين الصحيح حضارة. وفهم هذه الحضارة أو تفسيرها هو الذي يوقع الناس في الزلل ... والواقع أن التقدم الحضري يحمل الشخص أعباء، ويفرض عليه واجبات، وطعم هذا التقدم بعض الملذات والملاهي التي لا تستطيع النفس التجافي عنها، بل تميل إليها وتقبل عليها- وهي كما قال الله تعالى إمارة بالسوء- ولا تحتاج إلى واعظ يعظها، أو مرشد يرشدها، بل تتسارع مدفوعة بعوامل لاقبل لأحد بمقاومتها، إلا من رزق اليقين، وقليل ما هم.
ولست أحب أن اشرح هذا الموضوع بأكثر من هذا، فحسبي أن أوضح أن تكاليف المدنية شاقة!
2)التيارات الحديثة التي تحتاج العالم اليوم، فطغيان يجعل الإنسان في حيرة من أمره، وكان المغرب قديما في عزلة عن العالم، وجنت عليه هذه العزلة شرا حيث نكب بالاستعمار فهل سنبقى بعيدين عن العالم وما يجري فيه؟ أعتقد أن ذلك ليس بنافع. والعالم يتمخض كل يوم عن جديد، والأحداث تتجدد ساعة بعد ساعة، ولا محيد لنا عن التأثر بذلك أحببنا أم كرهنا، خصوصا بعد أن ضاقت رقعة الدنيا، واتصل الأقارب، فلم يعد الإنسان إقليميا يتأثر بعوامل بيئته ومحيطه، بل أصبح عالميا ما يقع في إقليم يؤثر فيه طردا وعكسا ... ومن هنا سهل على التيارات المذهبية، أو على الأصح العقائد المذهبية أن تقفز إلينا، وان ينجذب إليها شبابنا، وان نراها تجد بين أظهرنا مكانا، وان لم يكن الآن واسعا فسيكون في المستقبل إذا لم نأخذ العدة.
فهناك الاشتراكية بتهاويلها التي تفتن العقل ويتجذب إليها الفكر، وتسيطر على إحساس المؤمنين بالعقل المحكمين لطاقته!.
وهناك الشيوعية بنظامها الإنتاجي ومساواتها للأفراد وهدمها للملكية الشخصية ودعايتها الصاخبة!. وهناك النزعة السارترية التي تميل إلى منح الحرية للفرد كفرد، وتتيح له أن يتحكم في مصيره بعيدا عن كل تقييد!.
وهناك القومية، والرأسمالية وسواهما لانحب أن نخوض فيه الآن، وإنما همنا أن نوضح أن هذه النزعات أخذت من تفكير شبابنا حيزا كبيرا، واستطاعت-في غفلة من القوامين على الدين في هذه الديار- أن تكسبهم إلى صفوفها ولو إلى حين.
ولست أحب أن أبين موقف الإسلام من هذه النزعات، ولا أن أرد على هذه التيارات. فالإسلام دين لا يحبذ إلا الفضيلة ولا يؤله الأفراد، وهو لم يجعل لطقوسه كهنوتا ولا طبقة ما يسمى برجال دين. فكل أفراده رجال دين، ومن هنا وجب أن تكون الصلاة بينهم وثيقة، وان يتعاون المجموع على إصلاح ما اعوج، وتنظيم ما يستحق التنظيم. وان الدعوة إلى هذا الدين الحق تتطلب صبرا وعلما وإيمانا وثقة، ورجالا من صنف خاص، لا من هذا الصنف الذي تجده في واعظينا فالواعظ عندنا يكاد يكون جاهلا بما يتجاوز حدود بيته، فكيف بإمكانه أن يقنع شابا درس الفلسفة الماركسية، ونهل من عباقرة التكفير! وهل يدخل هذا الشاب إلى المسجد ليجد خطيبه يحدثه عن الموت في أسلوب العصر الرابع ذي السجع المصطنع والروي المفتعل. فالواقع أن الأزمة هي أزمة توجيه ... توجيه يجب أن يتسم بطابع يحوي كل شيء. توجيه بناء قوي متزن علمي متين. فالواعظ حين يقف على منبره يجب ألا يتقيد إلا بما يلمسه في وجوه المستمعين إليه، وان يخاطب إحساسهم وعاطفتهم، وان يبعثهم بعثا جديدا بما يغرسه في نفوسهم، فينطلقون من المسجد وقد صيغوا من جديد وصيغ إيمانهم صياغة لا اعوجاج فيها. وإذ ذاك نطمئن على مصيرنا ونكون متيقنين أننا سنجتاز مرحلة الخطر بسلام. ونحافظ على ديننا الذي هو مظهر عزنا وبلسم جروحنا وآمالنا في الماضي والحاضر والمستقبل.