دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 56
بقلم: محمد الصباغ
دعوني أفكر قليلا، دعوني أتأمل دقيقة واحدة، دعوني أنساكم في سراب هذا الصمت اللافح، وأنسى أني جئت من المدينة، وأن طريقي التي حملتني تحسب بالأميال، وأحيانا بخطوات الأحجار، وجريان الأشجار.
خذوا ما قلته بالأمس من أشعار، واصنعوا بها زورقا من غمام، وألحقوني في مصب أنهار القمر في «يفران» : أنا وخميلة نجوم، وبقايا حب قديم متهشم على الصخور، وقنديل من الثلج معلق في أغصان الصخور.
أحس بدمي يجري ببراثين الجمال. في أعصابي صرخة محمومة، وبين أسناني عطر عذراء ـ من تحت تدعوني، تناديني، تغريني كاشفة لي عن ساقيها، وخصرها، ونهديها في دلال شفاف كإزارها الحريري المرقش بأفاعي الشهوة.
بي شهوة تدعوني إلى الموت، إلى الحياة، إلى البعث من جديد، إلى المرض، إلى التسكع في الطرقات حافيا عاريا، إلى الكراهية، إلى المحبة، إلى الغناء، إلى الاعتراف بالخطايا.
تدعوني شهوة إلى الاستغراق في الضحك، والتمادي في البكاء والعويل.
ما هو تاريخي؟
ألقي هذا السؤال على عصفورة تمضغ الثلج في رفيف ظل أرزة، فلا تجيبني إلا بحفيف رفرفة من جناحيها وقد غيبت في السماء ...
وأنظر إلى نفسي المتسلقة في جذوع أشجار هذه الغابات، والزاحفة على صخور هذا الشلال، والهائمة مع الحشرات والنباتات وفراخ الطيور، والراقصة مع الفراشات، وعطر التراب على ملاءة النسيم في محبة وسلام، دون أن يعاديها أو يخاصمها أحد. فأجدني: شجرة يابسة عميقة تمشي في المدينة والأسواق، وخلفها الأطفال والشيوخ يلقمونها بالأحجار، وأحسني خرائب وأطلال شلال عششت فيها عناكب الماء والطحلب في حوش مدينة يجتر نضارة صباه.
انظروا: هاهي آثار أقدام رجل مر من هنا متكئا على عصى النجوم، حاملا سلة السلام ...
وتلك الخصلات التي تلملمها الأعشاب على مبسم الشلال، إنها من بقايا جدائل عذراء كانت تستحم هنا منذ مئات السنين، فأيقظت في نفسي بعض ذكرياتي العميقة التي ما أنست بها وقتذاك. ذكرتني: بصداقة حمامة بيضاء ـ كابتسامة المهد ـ كنت آنس بها، فأحضنها، وأقبلها، وأحاكي خطواتها على سطح بيتي ضاحكا مترنما، وقد اشتراها لي أبي ـ رحمة الله ـ مكافأة على حفظي لسورة يس، كما ذكرتني بدميتي الشقراء التي كان يطيب لي أن القيها على ظهرها لتفتح عينيها، وقد قدمتها لي جدتي هدية أحد الأعياد.
خذوا هذه الذكريات، وقد جمعتها لكم إكليلا ربطته بخصلات ثلج، ووشوشات أعشاب، وهدير شلال.
ليست لي ذكريات، ولا تاريخ.
أنا وجمال بلادي الحلو: وجها لوجه، في حرب مستميتة في «يفران»
محمد الصباغ