فهرس الكتاب

الصفحة 3133 من 5287

دعوة الحق، س4، ع 5 /فبراير 1961 ص4

من الصعب أن يتخيل المرء أن العلماء الذين اجتمعوا في فاس عقب وفاة المغفور له مولاي يوسف ابن الحسن ليقرروا اختيار صاحب السمو الملكي محمد ابن يوسف خليفة لوالده الفقيد على عرش المغرب قد استطاعوا أن يتوسموا في مخايله ملامح صحيحة لمن شاء الله أن يكون واقع المغرب خلال أربع وثلاثين سنة قضاها في ظل هذا الرجل الذي وقع عليه اختيارهم فعقدوا له البيعة بالملك وإمارة المومنين، ولكن ما من شك في أن التوفيق كان رائدهم في ذلك الاختيار وفي أنهم أو أن بعضا منهم قد توسموا سمات ميزت الابن الثالث للملك الفقيد عن سائر اخوته وجعلته في رأيهم الأحق بوراثة عرشه وتحمل العبء الذي كان يضطلع به.

ذلك بأن طفولة صاحب السمو الملكي محمد بن يوسف وحداثته اظهرتا منه نجابة وذكاء وشخصية قوية كانت منذ بواكير نضجه تبرزه باعتباره مؤهلا للأعباء الجسام وقد كان أساتذته الذين جلبهم والده المنعم لتثقيفه وتثقيف إخوته ومن اليهم من أفراد الأسرة المالكة في المدرسة الملكية الخاصة بالأسرة والتي أنشأها في فاس، كانوا يرصدون بكثير من الاعتزاز ظاهرتين كانتا تميزانه عن إخوته وأترابه أولاهما الذكاء والمقدرة الفائقة على استيعاب ما يلقى إليه من ألوان الثقافة التقليدية والحديثة وثانيهما الشغف بالدراسة والعكوف عليها والدأب في السعي إلى الاستزادة منها سعيا لم تكن تعوقه اعتبارات الإمارة وما تقتضيه من طقوس وشكليات وإنما كان ينطلق به انطلاقا حرا لا يكترث بشيء يحبسه عن غايته التي وقف عليها نفسه.

ويوم ولي عرش أبيه كان لا يزال في عرف القانون ينبغي أن يعتمد على أوصياء لمساعدته على الاضطلاع بما سار إليه من تبعات جسام وما من شك في أنه كان رضي النفس بهذا الوضع القانوني وآية ذلك أنه حتى بعد أن أصبح المهيمن المباشر على شؤون الملك بعد ثلاث سنوات من ولايته للعرش، كانت عنايته بسياسة الدولة موازية لعنايته ببناء الأمة، فقد كان يدرك أنه من السهل أن تساس الدولة سياسة تتجه بها إلى أن تكون أداة لإسعاد الشعب والتقدم به واعزازه، ولما كان السياسي يعتمد في عمله على شعب يعي ماله وما عليه وعيا يصدر عن الإدراك لا عن مجرد الإحساس والعاطفة ويشعر أعمق الشعور بأنه ينبغي له أن يستكمل في نفسه ما يريد أن يندب إليه أمته فقد انصرف محمد الخامس يدرس ويستوعب كل ما من شأنه أن يتصل بالملك وسياسته من قريب أو بعيد، على حين كانت الأحداث تثرى في أسرته وفي شعبه فما لبث أن رزق بولد بكر صاحب السمو الملكي الحسن ابن محمد، بينما بدا شعبه يكتشف وضعه ويتحسس الطريق إلى تطوير هذا الوضع والخلاص من الشذوذ الذي كان يومئذ قد قضى ثمانية عشرة سنة وهو يعانيه وكان هذا التطور الذي حدث في شعبه نتيجة لتصرف خائن أقدم عليه من كانوا يومئذ أوصياء على العرش ذلك هو اصدار الظهير البربري المشؤوم وما من شك في أن الذين أصدروه والذين أوحوا إليهم بإصدار لم يقدروا أن يكون هذا الظهير أداة لبعث روح الوعي واليقظة في الشعب المغربي، فالذي حدث بالفعل هو أن المغاربة قاطبة شعروا يوم أعلن عن هذا الظهير أن يد المستعمر الغاشم قد تجرأت هذه المرة فتجاوزت سياسة الملك والاستحواذ على الثروات إلى النيل مما هو من صميم الوحدة الدينية التي تنهض عليها وحدة الشعب المغربي فكان هذا الشعور بمثابة نفخة بعث شملت الأمة بأسرها ابتدأت من المساجد وكان صداها الأول يرتفع بترديد اسم اللطيف ثم ما لبث أن تطور إلى تجمهر ومظاهرات احتشدت لها الأمة من مختلف أنحاء الوطن المنكوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت