دعوة الحق، س.6، ع3 /ديسمبر 1962 ص 72
إعداد: العربي المساري
الفن العربي عبر التاريخ
نشر دار البير سكيرة بجنيف كتابا ضخما بعنوان «الرسم العربي» جمعه ريتشارد ايتينجهاوسن محافظ فنون الشرق الأوسط في From Gallery of Arts بواشنطن ويحتوي هذا الكتاب على 81 لوحة بالألوان .. وفيه يبين المؤلف أن هذا أسلوبا عربيا في الرسم نشأ في دمشق وبغداد، وآخر أقل منه شأنا في مصر وأفريقيا الشمالية. وقد انتشر هذا الأسلوب العربي في الإمبراطورية الإسلامية وطبع الرسم في العالم الإسلامي كله بتأثيره، بعد أن كان في البداية خاصا بالشعوب الناطقة بالعربية، وكان من شأن حركة الفتح العربي أنها نفخت في مراسم دمشق وبغداد روحا فنية مشبعة بالحماس، استقطبت بذكاء كل العناصر المستعارة من ثقافات أخرى متباينة كالبيزنطية، والساسانية والهندية والصينية ..
ويبين المؤلف أن نشأة هذا الأسلوب في دمشق يرجع إلى القرن السابع، حينما ظهرت نماذج في البناء والزخرفة المعمارية في كثير من القصور والمساجد وفي بعض السجاجيد التي تحتوي على رسوم للنباتات على هيئة هندسية، وهذا الأسلوب لم يصل إلى قمته إلا في بغداد خلال القرن الثالث عشر، حينما استطاع أن يكون شخصية متميزة ..
غير أن ريتشارد ايتينجهاوسن، وهو اختصاصي في فنون الشرق الأوسط، لا يكتفي بوضع هذه الخطوط العامة بل يتابع بحثه مبينا مختلف المؤثرات التي خضع لها الرسم العربي، وكذلك ردود الفعل التي أحدثتها التيارات السياسية والاجتماعية في هذه الآثار الفنية، فعلى عهد الأمويين اهتم الفنانون بتسجيل عظمة الإمبراطورية العربية وانتصار العرب على البيزنطيين والفرس وذلك على قطع الفسيفساء، ثم تطورت الموضوعات على عهد العباسيين وأصبحت موضوعات فكرية نوعا ما، وذلك مع ظهور الطبقة الوسطى البورجوازية ..
فبدأ الفنان ـ وهو يعي دوره وقيمته الاجتماعية ـ يستمد موضوعاته من الحياة اليومية. وهذه مرحلة ازدهار كبير للرسامين الذين كانوا يزينون الكتب برسومهم وقد اختفى ذلك فجأة بفعل الزحف المغولي الذي فصل العراق وسوريا عن الشخصية العربية، وأتى على الأواصر التي كانت تربط هذه الشعوب بحياة اجتماعية واحدة، كما شل حركة التبادل الفكري التي كانت نشيطة زاخرة، على حساب الحركة الفنية، فتدهورت مدرسة بغداد بفعل التأثيرات الآتية من فارس، كما توقفت تماما الحركة الفنية في كل من سورية ومصر على عهد المماليك ..
والكتاب يتضمن لوحات لها موضوعات مختلفة من خلال تنوعها نستطيع أن نتبين روحا واحدة ومميزات واحدة تشكل في مجموعها ما يعرف «بالرسم العربي» ، والذي يؤكد أصالة هذا الرسم العربي هي هذه المظاهر الثلاثة الصفاء والرمز ووحدة الأسلوب ..
وفي الرسم العربي نجد أن العلاقة مع الطبيعة تكاد تكون مفقودة، أما الواقعية فتتجلى أحيانا في رسوم النباتات والحيوانات خصوصا في كتب الطب، كما أن الألوان قليلة ولكنها غنية حية، وهذا من أهم مميزات ثقافات البحر الأبيض المتوسط مما لا يوجد في الفن الفارسي أو المغولي ..