فهرس الكتاب

الصفحة 3208 من 5287

دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 ص27

الإسلام والتقليد الأعمى

للأستاذ محمدأحمدالزيتوني

امتاز البشر عن سائر الفصائل الحيوانية بخاصية التفكير والتمكن من ترتيب النتائج الواقعية على المقدمات اليقينية.

فعلى قدر سير الإنسانية على ضوء هذه النورانية الكبرى، ومراعاة تلك الخاصية العظمى- خاصية الاستضاءة بمصباح التفكير- ومراعاة قواعدها يكون تقدم البشرية وصعودها في مدارج الكمال والرقي المادي والروحي، وذلك هو السبيل الوحيد الذي بسلوكه يتحقق التعاون الضروري الذي يرجى من ورائه توفير الرفاهية والسعادة الشاملة للأسرة الإنسانية وندرأ المضار وتجلب المنافع العاجلة والآجلة، ويضمن الفوز بالسعادتين الدنيوية والأخروية وتنجز الإنسانية القيام بأداء رسالتها على أكمل وجه على هذا الكوكب الأرضي رافلة في حلل الهناء والسلام.

أما إن وقع إغفال أوتغافل لهذه النعمة أوتساهل في الاسترشاد بقواعدها أو اعترى البشرية الكسل التفكيري في أحد الميدانين الروحي والمادي أو فيهما معا فإن النتيجة الطبيعية التباطؤ في السير نحو الكمال المنشود، ثم الارتكاس والانتكاس والركود.

وحيث أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تلائم مبادئه سائرالافراد البشرية وتوافق كل المجتمعات الإنسانية في سائر الأمكنة وعموم الأزمنة، وهو الدين الذي ينبي قضاياه على اقية العقل وبراهنيه اليقينية ويزنها بميزان المنطق، لذلك فقد كانت مبادئه على طرفي نقيض من التقليد الأعمى والركود الفكري، والقرآن الكريم قد أكثر من النعي على الأسلاس للتقليد الأعمى، إذ ليس شيئا أضر على الإسلام من تعطيل موهبة العقل ووأد الفكر، بل قد اعتبر القرآن الكريم النشاط الفكري من أهم أنواع العبادات وأشرف أنواع القريات إلى الله تعالى، ورتب على ذلك استجابة الدعاء ونيل المطالب، إذ قال (إن في خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنهارلآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض الآية) . وقد أنحى القرآن باللوائم على من رضوا بسجن التقليد الأعمى واسلسوا القياد لأغلاله ولاذوا بركوب متن المجازفة في اقتفاء آثار السالفين من الآباء واعرضوا على نعمة التريث وأهملوا مراجعة آراء آبائهم وآرائهم هم في تقليدهم لآبائهم حيث يقول تعالى (بل قالوا أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مهتدون) ذلك الانصياع إلى مجرد اعتناق أراء الغير، الأمر الذي صيرهم سجناء الترف وغرق في بحار الشهوات حيوانات في قرونها حبال التقليد لا ينفعون أنفسهم ولا تنتفع بهم مجتمعاتهم ولا يفيدون أوطانهم ولا يستفيدون، أو هم كالمريض الجاهل الذي يفرق من إجراء عملية جراحية يتحقق من ورائها التخلص من مرضه المزمن، لهذا تراهم كثيرا ما يجعلون أنفسهم حجرة عثرة في سبيل إرشاد الرسل وإصلاح المصلحين، ويشكلون أعباء على الإنسانية وعلى الأرض التي بطنها خير لهم من ظهرها، وقد قال القرآن في شأن ذلك المقلدين: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون) .

ولوقلنا أن التقليد الأعمى منطو على معاني العبودية، وعنوان لضعف الإرادة، ومطية الاستهانة بالكرامة الإنسانية، وعلامة للاستخذاء لنا تجاوزنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت