فهرس الكتاب

الصفحة 3209 من 5287

صميم الحق ولما أخطانا هدف الواقع، بل يحمل التقليد الأعمى في طياته كل عناصر التشاؤم وجراثيم التأخر ولوا قح الفساد وعوامل الاضمحلال وخسران الدنيا والدين، وقد ذكر الله مثالا عمليا لمن انفلت من لبشرك التقليد الأعمى بقوله (قال قائل منهم أنى كان لي قرين يقول ائنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أنا لمدينون، قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله أن كدت لترديني ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين، أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون) . وقد أعقب الله تعالى هذا المثال العملي بمثال آخر لقوم حرموا من نعمة التأمل وضيعوا الاسترشاد بنور العقل، فقابلوا نعمة الله الكفران وباعوا الآخرة بالخزي والخسران، فقال الله تعالى بعد أن وصف ما استقبلت به وفادتهم في الآخرة من الاهانة والنكال، وما ينتظرهم في الجحيم من ألوان الخزي والوبال (أنهم ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) وهكذا بين لنا القرآن الكريم أن أكثر الأمم السالفة والدول المتفرقة قد وقعوا في هلاك مؤبد وأن سبب هذا التقليد الأعمى الذي كان شؤما ووبالا على أصحابه في أوله وآخره، فهم قد رضوا بذوبان الشخصية في المقلم -بفتح اللام- عاجلا، ومهدوا لأنفسهم الولوج للعذاب الواصب آجلا، وكيف لا وفي ذلك تعطيل لنعمة نور العقل وفضيلة التفكير التي هي أعظم منحة، وأسمى تحفة من ملم الملوك رب السموات والأرضين وخالق العالمين.

أجل لقد كان نور التفكير منه جل ثناؤه أعظم منحة وأغلى تحفة لهذا الكائن الحيواني، البالغ من الضعف أقصاه إذ لولا تفكيره وعقله لكان من أضعف وأحقر الكائنات الحية.

ولو بحتنا عن الأسباب التي صرفت الكثير من البشر الجادة الموصلة لمعرفة الله تعالى، ثم إخلاص العبادة له سبحانه، وبالتالي الاهتداء إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل لوجدنا أن من أعظمها وأبرزها الإسراف في الآخذ بآراء الغير الذي هوالتقليد الأعمى، والدليل على هذا الحديثان القدسيان المشهوران، وهما قوله جل ثناؤه L ( أني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل بهم سلطان) وقوله سبحانه أني خلقت عبادي حنفاء أي مستقيمين على الحق مائلين عن غيره، والحديث الأخير يشير بمفهومه إلى لأن بيت الداء إنما هو التقليد الأعمى وإلا فإن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقد قال عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على فطرة، يعني فطرة الله التي فطر الناس عليها أي الخلقة التي خلقهم عليها وهي الاستعداد لقبول الخبر- حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ومن هذا الحديث الكريم نعلم فداحة المسؤولية الملقاة على كواهل الآباء والمعلمين مسؤولية المحافظة على تلك الفطرة النقية البيضاء لكيلا تتسخ أو تتلقح بجراثيم الفساد أو تنصاع لمطلق التقليد والاستجابة لمن يدعوها إلى الشر والزيغ والإلحاد.

إن الاسلام والمجتمع لهييان بالآباء والأساتذة أن لا يدعوا عقول نشئهم تنتابهم الآراء الزائغة أو تدنس فطرهم الطاهرة بارجاس أفكار تبيت للإسلام والعروبة والشر والإبادة والهلاك.

أن جلنا- والحسرة ملء صدورنا- قد أخلى هذا الميدان- ميدان توجيه عقول النشء وتكييفها وتوجيها وتكييفا يتفق والإسلام الحنيف الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها- وتركناه فسيحل يتلقح بعوامل الأفكار والآراء الغريبة عن الإسلام والعروبة بل وضعناها بين أصابع التعاليم الاستعمارية والتبشيرية على اختلاف أساليبها وأشكالها تقلبها كيف شاءت، تلكم الأصابع التي لا تعرف الفتور في سبيل بث تعاليمها بجميع الآفاق، مستسهلة جميع المشاق، تارة تحت الستار التمديني وتارة باسم التعاون الإنساني، والغرض الأساسي محصور في تكييف عقول النشء وتمهيدها للتقليد تقليدا أعمى لتعاليم الاستعمار والتبشير، أما نحن فحسبنا أن نقف من ذلك النشاط موقف المتفرج الأبله الغافل أو موقف الذي لا يهمه الأمر من قريب أو من بعيد

أن من العسير جدا أن ننتظر الإخلاص لديننا ولقضايا وطننا الكبرى مما تشبع منذ نعومة أظفاره بالتعاليم الاستعمارية والتوجيهات التبشيرية.

ينفق أحدنا أموالا كثيرة وأوقاتا ثمينة- بسخاء- في سبيل تثقيف ولده وتعبيد الطريق لأن يكرع من معين العلوم العصرية ونيل الشهادات والدكتورات-داخل البلاد وخارجها- ويقول ويعتقد أنه يبذل تلك المجهودات المضنية ليضمن لولده مستقبلا ماديا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت