فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 ص 36
للأستاذ الفاضل صاحب الإمضاء
الإسلام عقيدة وعبادة وقانون وأخلاق، تحفظ كيانه وسياجه الدولة المسلمة، وتراعي حقوقه وحدوده وتوفي أماناته وعهوده الأمة التي تؤمن بهداه، فما دام أفرادها واثقين بمبادئه عاملين على حفظ شرائعه، فنجاحهم ونجاح ولاتهم الراشدين مضمون، وبقدر انحرافهم عن جادته وبقدر انعدام ثقتهم بشريعته وبنفوسهم تكون لهم في الحياة صفقة الخاسر المغبون .. ومن أجل ما يحفظ على الأمة صفة الكمال في العقيدة والعبادة ومراعاة القانون والأخلاق في الحياة العملية سجية الحياء، ولذلك عبر النبي بفائدته فقال الحياء من الإيمان، فجعله من الإيمان المكتسب وإن كان جبلة لما يفيده من الكف عما لا يحسن.
قال الراغب مبينا حقيقته وحده: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان لتردع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن أي خوف وعفة لذلك لا يكون المستحيي فاسقا كما في بعض الصبيان. فالفاسق فقد العفة التي تركب منها الحياء ففقد الحياء، والشجاع فقد الجبن أي الخوف لمنافاته للإقدام والجرأة اللازمين للشجاعة وقيل في حد الحياء هو خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
واثر الحياء في حياة الأمم عظيم وإذا كانت التربية تحسن السلوك العام عند بعض الأمم فتكون عندها شعبة من الحياء، فإن ذلك من فضل الشرائع السماوية، التي عمل الأنبياء والرسل الذين أنزلت عليهم هذه الشرائع على رعاية هذا الخلق وإشاعته في جميع المتبعين لهم، وقد اخبر رسول الإسلام بخبر يتضمن أن الحياء من شرائع الأنبياء الأولين، حيث قال: أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحيي فاصنع ما شئت، وللحافظ ابن القيم كلام جامع في اثر الحياء وخاصيته فقد قال فيه: هو خاصية الإنسانية فمن لاحياء له ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم، وصورتهما الظاهرة، كما انه ليس معه من الخير شيء لولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد الأمانة، ولم يقض لأحد حاجة، ولا تحرى الرجل الجميل فآثره والقبيح تجنبه ولا ستر له عورة ولا امتنع من فاحشة، وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئا من الأمور المفترضة عليه ولم يرع لمخلوق حقا ولم يصل له رحما ولا بر له والدا فإن الباعث على هذه الأفعال إنما ديني وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإما دنيوي علوي وهو حياء فاعلها من الخلق، فقد تبين انه لولا الحياء إما من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها، وفي الترمذي وغيره مرفوعا (أي إلى رسول الله) استحيوا من الله حق الحياء، قالوا (أي الصحابة) وما حق الحياء قال إن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى وتذكر المقابر والبلى، ه. فكمال الحياء شيئا عن معرفة الله تعالى ومراقبته، وعن هذا المعنى عبر بعض السلف بقوله أولى الحياء الحياء من الله هو ان يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، ومضمن هذا أن لا تخالف نهيا ولا تعصى أمرا، وإذا كان هذا حالك مع الله الذي يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عن مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فإنك تكون طاهر العقيدة، كامل العبادة، مستقيم السلوك مع الخلائق وخالقهم، فتشاهد نعم الله ويبعثك الحياء منه على استدامة شكرها، ولهذا نقل عن أبي القاسم الجنيد في حقيقة الحياء انه رؤية الآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى حياء، وعبر الإمام علي كرم الله وجهه عن اثر الحياء في سلوك الشخص بقوله: من كسا الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه ويعتبر الحياء بهذا المعنى جمال الحياة الإنسانية حيث يسمو بها عن كل النقائص، ويميزها في الوجود بأنبل الخصائص وذلك أنبل مقصد يرمي إليه الإسلام من تطهير النفوس وتزكيتها، وبه كان ذلك الخلق الطابع العام للأخلاق الإسلامية حتى قال الرسول كما رواه الإمام مالك في الموطأ (لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء) .