فهرس الكتاب

الصفحة 2301 من 5287

إلى مكة التي اضطهدته وإذا الشدائد فاتحا منتصرا، وبعد ما طاف بالكعبة وقف في بابها يخطب في قريش ثم قال لهم: «يا معشر قريش ماذا ترون غني فاعل بكم؟ قالوا خيرا ... أخ كريم وبن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء» ولندع هذه النقطة الرائعة بلا تعليق.

ثم دخل الكعبة وتقدم إلى تلك الأصنام التي كان يملأ حبها قلوب قريش والعرب وحطمها واحدا واحدا وهو يتلو قوله تعالى: «قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا» .

3 -أهمية الفتح: إن أصعب ما يواجه المصلح في هذه الأرض هو تغيير مفاهيم تجمدت في عقول الناس وتقاليد ضارة تشبثت بأعماقهم واستبدت بكيانهم، فلم تكن لتسمح أبدا لشيء جديد يتسرب إليها لأنها ترى في ذلك الفناء والدمار لوجودها، والرسول بعث في أمة لها تقاليد موروثة وعقائد مقدسة ونظم منزهة وآلهة مطاعة، فلم يكن من الهين أن تبدل نظرتها الخاصة نحو الحياة، بل لم تكن لتسكن عمن يعيب عليها تلك النظرة أو يحثها على تبديل إحساساتها عما تلقفته من أجدادها من دين وتقاليد، لذلك كان على رسول الله (ص) أن يسير في طريق طويل شاق، وان يواجه في المقاومة أشد ما يمكن أن يحدث من أعداء شداد. والدعوة الصحيحة هي تلك التي تلهبها المقاومة، ويقويها العناد، ويمدها الاضطهاد والتعذيب بمزيد من الإرادة والعزم والنشاط، وتلك كانت دعوة رسول الله (ص) ولما توفر فيما من سمو الفكرة وتعلقها بالنفوس وصمود القائمين بها أمام الشدائد استطاعت أن تمر بنقط تحولية كان لها اثر يذكر في تراخيها كالهجرة وبدر والحديبية، لكن هذه الأحداث رغم أهميتها لم تهب الدعوة استقرار كفتح مكة.

نعم، إن الهجرة أتاحت مجالا للتفكير في استقرار يتيح الدعوة الإسلامية الانطلاق نحو تحقيق أهدافها وقد كانت فرصة عظيمة لإسلام أفراد وجماعات وتكتيل المسلمين وتنظيمهم وتربيتهم وأنتج لهم استقرارهم بالمدينة قوة لها خطرها، وبدر كان لها اثر كبير في نفوس الأعداء، فقد كشفت هذه الموقعة عن مدى قوة تلك الشرذمة المضطهدة وعن مدى استماتتها في الدفاع عن معتقداتها وأدخلت الرعب في قلوب كثيرة وأظهرت للعرب قوة لا يستهان بها، لكن غزوة أحد كشفت أن بدرا لم تكن على أهميتها كل شيء.

ومعاهدة الحديبية كانت نصرا مؤزرا للمسلمين إذ أتاحت لهم الاتصال بغيرهم من العرب وتنظيم شتوتهم في غير ما انزعاج، ثم أنها اعترافا من قريش ومن والاها بكيان المسلمين ووجودهم كهيئة سياسية دينية شرعية في بلاد العرب.

لكن هذه الأحداث لم تكن حاسمة في الموضوع، وإنما كانت روافد للحدث العظيم الذي مكن الإسلام من السيطرة على الجزيرة العربية وتبديد ظلام الوثنية من ربوعها.

ففتح مكة كان أهم وأعظم نقطة تحولية في تاريخ دعوة رسول الله (ص) ذلك انه كان قضاء على اكبر مقاومة وأعنفها، تلك التي كانت سدا منيعا بين العرب والإسلام، إذ كان العرب ينظرون إلى قريش نظرة التعظيم، وهذه النظرة كانت تجعلهم يقفون من الإسلام موقف قريش، ثم إن الفتح خطر قوة المسلمين وضعف قريش أمامها، زد على هذا أن العرب لما رأوا جيش المسلمين يدخل مكة منتصرا سالما معافى ألقى في روعهم أن العناية الإلهية تحرسهم.1 وعندما استسلمت قريش، ورأى العرب قوة المسلمين سارعوا إلى الدخول في الإسلام أفواجا ولقد صدق سيدنا عمر ابن الخطاب حين قال للرسول عند عزمه على فتح مكة (وايم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة) وقد استفادت الدعوة الإسلامية من قوة قريش بعد ذلك، ومهد هذا الفتح للقضاء على البدو الذين كانوا يهددون المدينة، وإخضاع مسيحي نجران وقبائل اليمن ونجد وغيرهما، ولم يأت عام 10هـ حتى كانت دولة الأصنام قد دالت واستؤصلت الوثنية وكان هذا الفتح بداية سلسلة من الانتصارات امتدت إلى ما شاء الله.

ومما يزيد في روعة هذه النتائج الباهرة أن الفتح كان خاليا من الدماء والأشلاء2 (هو الذي كف أيديهم عنكم وأيدكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا) صدق الله العظيم.

1)تاريخ العرب السياسي والديني والاجتماعي حسن إبراهيم ج 1 ص 112.

2)وقعت بعض المناوشات ولكنها قليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت