دعوة الحق، س.2، ع3 /دجنبر 1958 ص 71
مطالعات وآراء: رجل في القاهرة
تأليف: رشاد صالح
تعليق: محمد الناصري
من بين الكتب التي صدرت في الآونة الأخيرة بمصر كتاب «رجل القاهرة» لمؤلفه الأستاذ رشدي صالح، وهو يتضمن قصة طويلة من نوع القصص التاريخي، لأن مادتها متنوعة من صميم التاريخ، تتناول حياة ابن خلدون في فترة محدودة، هي تلك التي عاشها منذ حل بمصر إلى وفاته.
وقد اعتمد المؤلف في جمع حوادث هذه القصة على كتاب التعريف لابن خلدون، وعلى كتب التاريخ المصري، كما اعتمد على مقدمة ابن خلدون في عرض نظرياته في علم الاجتماع.
وتبتدئ أحداث القصة حينما رست السفينة التي كانت تقل ابن خلدون بميناء الإسكندرية، إذ يصور المؤلف اللحظات التي اخذ فيها رجال الجمرك يفتشون أمتعة ابن خلدون. ثم يرافقه وهو يتردد على فنادق الإسكندرية حينا ويرتاد شواطئها حينا آخر، ويحلل خواطره حينما يعود الليل إلى الفندق، تلك الخواطر التي تبدو في استعراض ابن خلدون لحياته التي مر منها ثلاث وخمسون سنة، بما فيها ذكريات طفولته التي كان فيها ميالا للشغب، شغوفا بالقصص ورواية الأخبار. ويرحل ابن خلدون إلى القاهرة، فيرحل وراءه المؤلف مشخصا ما يحس به من عظمتها التي تبهره وتستولي على مشاعره، وهنا يحاول المؤلف رسم صورة للقاهرة بأسواقها ومدارسها، متخيلا ابن خلدون يسير فيها مبهور الأنفاس معجبا بمشاهدته لعمرانها، وهناك تشيد أواصر الصداقة بين ابن خلدون وبين تاجر مغربي، كان رحل إلى مصر حبا في الثراء وأصبح من أكبر أغنيائها، يقرض أمراء المماليك ويتعزى عن ماله الضائع بالتمتع بالجواري والقيان إذا أقبل المساء. وفي قصر هذا التاجر يطيب العيش لابن خلدون، فيشرب النبيذ وينسجم مع ألحان القيان. ثم ينقله المؤلف من قصر التاجر إلى الأزهر بعد أن أيدي طلابه رغبتهم في أن يتصدر مجلس التدريس فيه، ويأخذ في إلقاء دروسه وتكون موضوعاتها: نظرياته في علم الاجتماع، وينصرف الطلاب معجبين بأستاذهم، وتنتقل أخبار ابن خلدون إلى السلطان يرقوك فيربط له راتبا ويشمله برعايته، ويعيش ابن خلدون بين طلابه الخمسة النابغين وهم: السيوطي والحموي وعبد الله وعمر الله وعمر عنترة، فيقضون إليه بما تكن صدروهم عن قسوة المماليك وعن الظلم الذي يعانيه الفلاح المصري منهم. وتلتف الجموع مرة أخرى لحضور درس ابن خلدون، فيجد نفسه محاطا بهالة من الأمراء والعلماء والتجار والأعيان، وينصرف هؤلاء يضفون عليه ـ بدورهم ـ ألوانا من الإطراء. ويترك المؤلف ابن خلدون في الأزهر ليتحدث عن اللحظات التاريخية التي تم فيها تأليف المقدمة ـ قبل رحيل ابن خلدون إلى مصر ـ وعن مميزات هذا العصر ودوله، ودنو انبثاق عصر النهضة في أوربا حين هاجرت الثقافات شرقا وغربا سنة 779. وفجأة وبلا مقدمات يجري المؤلف حديثا على لسان ابن خلدون وبعض تلاميذه عن الموشحات والأزجال حتى يلج بنا باب البحث في علم الاجتماع، محللا نظريات ابن خلدون التي أوردها في مقدمته. ويسند إلى ابن خلدون قضاء المالكية، فيقيم بأحكامه موازين العدل ويتحدى به السلطان فيدينه ولا يخشى بطشه، ويشفق الطلاب على أستاذهم ويتلبثون بجانبه ليدفعوا عنه شرا قد يصيبه من طرف الأمير ناصر الدين، وفي أثناء ملازمتهم له تجري أحاديث متفرقة يحلل فيها ابن خلدون نظريته: الإنسان مدني بالطبع، ونظريات أخرى في علم الاجتماع ثم يسند قلق ابن خلدون على عائلته، فيتوسل إلى السلطان ليتوسط لدى سلطان تونس ليخلي سبيل أهله، وتنجح الوساطة، وينتظر أهله على أحر من الجمر، ولكن السفينة التي كانت تقلهم تكتسحها