العواصف فتغرق بالقرب من شواطئ الإسكندرية، وتخيب آماله في لقائهم. وهكذا نجد المؤلف قد وصل إلى عقدة القصة دون أن يهيئ لها، وهكذا تسير أحداث القصة م غير ترابط أو اتساق وتظهر شخصيات وتختفي أخرى، وأخيرا يعدل ابن خلدون عن خطته في مقارعة السلطان ويطمح إلى بريق المجد ويتخلى عن تلاميذه السلطان ويطمح إلى بريق المجد ويتخلى عن تلاميذه وأفكارهم الحماسية، وبصالح الأمير ناصر الدين فيخلع عليه لقب قاضي القضاة والوزير الرئيسي ... وترد الأنباء من دمشق معلنة أن تيمورلنك يوشك أن تدمر عاصمة الأمويين، ويسير ابن خلدون في جملة الأئمة الذين رافقوا الجيش المدافع عنها، ويقع هؤلاء الأئمة ـ ومعهم ابن خلدون ـ أسرى لدى تيمورلنك.
كان حتما علي أن الخص أحداث هذه القصة حتى يكون القارئ الكريم على بيئة منها أن لم تتيسر له قراءتها، وحتى يتلمس معي مواطن الضعف والقوة فيها، وليسايرني فيما أقدم عليه من نقد لا يعدو أن يكون ما رفيقا وفق مناهج النقد الحديث.
فيما يختص بشكل القصة: لا توجد فيها حبكة محكمة، فحلقات الحوادث فيها متنافرة، لا يبدو فيها ذلك النمو الطبيعي الذي يسير به إلى نهايتها. ويلاحظ تكلف المؤلف في إيجاد رابطة بين بعضها بينما ينتقل من حادثة إلى أخرى في معظم القصة عن طريق الوثب، وهذه الظاهرة تبدو من أول وهلة لمن يقرأ القصة أو التلخيص السالف.
ولم يحاول رسم صورة واضحة المعالم للبيئة التي انتزعت منها الأحداث، فعلى الرغم من أنه استمد مادته من كتب التاريخ المصري ومن رحلة ابن خلدون، إلا أنه لم يوفق في ذلك فيما يتصل بالوسط الطبيعي للقصة وأخلاق شخصياتها بشمائلهم وأساليبهم في الحياة، فقد ترك قي القصة قصور المماليك موصدة، يفتحها ولم يجلها ليصف ما تحتوي عليه من بذخ ونعيم وجوار وفيان، ولم يشخص المحنة التي كان يعانيها الشعب من هؤلاء الحاكمين الذين كانوا يستغلونه ويمتصون دمائه، لم يجسم شقاء الطبقة الكادحة، ولم يعرج على التاجر الذي يعيش في قلق دائم ويتعرض لابتزاز أمواله حينا من طرف هؤلاء المماليك وأعوانهم، ولم يذكر شيئا عن تطاحن هؤلاء المماليك وتطاول بعضهم على بعض وحبك الدسائس وترتيب الاغتيالات، حتى الأزهر لم يحاول أن يتجول في حلقاته، بل اكتفى بالوقوف في زاوية خاصة في تلك التي تضم حلقه ابن خلدون مع تلاميذه. ولقد اكتفى من البيئة بصورة عابرة لأسواق القاهرة ومدارسهم، وأخرى شاحبة لشاطئ النيل. وأن مقارنة بين هذه القصة وبين قصة جرجي زيدان عن المماليك يظهر منها البون الشاسع فيها يختص بوصف بيئة مصر في عهد المماليك، فجرجي زيدان وصف بيئة مصر في عهد المماليك وصفا دقيقا يجعل القارئ يندمج فيها ويعيش في ذلك المجتمع المضطرب المتموج وينفعل لألم هذا الشعب الذي يرزح تحت قهر المماليك، أما مؤلف هذه القصة فقد قصر عن وصف البيئة وترك القارئ يعيش بعيدا عنها ولا ينفعل بها.
ولم يقم بأي عمل فني يختص باستخراج العقدة وتهيئها، لأن أحداث القصة لم تسر في طريقها الطبيعي، ولم تتدرج حتى تصل إلى ذلك التوتر الذي يجب أن تصل إليه. ففي القصة عقدتان: تتمثل الأولى في غرق عائلة ابن خالدون، وتبدو الأخرى في وقوع ابن خلدون، وتبدو الأخرى في وقوع ابن خلدون أسيرا لدى تيمورلنك، ولم يسبق أي تمهيد في الحوادث التي سبقتها.
وظلت شخصيات القصة غامضة، لم تحلل تحليلا نفسيا يكشف عن ميولها واتجاهاتها وعواطفها ومشاعرها بل أنك لا تكاد تدرك الفرق بين الرئيسية وبين الثانوية منها، ومعظم هذه الشخصيات التاريخية لم يسند إليها الدور الذي تقوم به الحوار وتنمية الأحداث، فالشخصيات التي بدت فيها بعض الحيوية هي شخصية ابن خلدون وتلاميذه الخمسة، أما الشخصيات الأخرى وهي شخصيات منصور التاجر والسلطان برقوق والوزير عمر بن عبد الله والزاهد وسيبوبه المصري وتيمورلنك والأمير ناصر الدين، فإنها تكاد ميتة، فقد كان سبيل المؤلف أن يظهرها في فصل أو فصلين ثم تختفي بعد ذلك نهائيا.
وأسلوب القصة تغلب عليه الصبغة العملية، لأن الكاتب حشر في قصته الكثير من نظريات ابن خلدون في علم الاجتماع، وحاول جاهدا بسط هذه النظريات، والواقع أنه غير مؤاخذ على تحليل ما يشاء من نظريات عملية في قصته، شريطة أن يبعد بها عن الأسلوب العملي في القصة التي كان يجب أن تتوفر فيها بجانب هذه الأفكار الفائدة القصصية والروعة البيانية. وكان يجب أن يحافظ على فنية التعبير ويحاول تبسيط هذه النظريات ويبتعد عن الدخول في تفاصلها ويربطها بأحداث