فهرس الكتاب

الصفحة 3404 من 5287

دعوة الحق، س.4، ع8 /ماي 1961 ص 23

للأستاذ: عبد السلام محمد الكويرة

في يوم من أيام صفر من العام الذي سمي بعد «عام الهجرة» بثت الدعوة في عظماء قريش أن يجتمعوا في دار الندوة لأمر خطير، نعم لقد اجتمعوا في دار الندوة التي كانت عند أشراف قريش بمثابة برلمان الأمة، كانوا يجتمعون فيها كلما حزب بهم أمر، أو جد لهم حادث خطير، وكان مكان البرلمان هذا دارا لقصي بن كلاب، وكانوا لا يقضون أمرا إلا فيها «بنصوص دستورهم العرفي المستنبط من الأوضاع والتقاليد، اجل، لقد تم جمع الأعضاء في الوقت المحدد وتمثل في جمعهم قبائل قريش برجالاتها وعظمائها، فقد حضر نواب عن أمية، ونواب عن عبد شمس، ونواب عن عبد مناف، ونواب عبد الدار، ونواب عن بني أسد، ونواب عن بني مخزوم إلى غير ذلك ... وعندما التقت الجموع - تحت قبة البرلمان - ساد السكون، وظهر على وجوههم الجد من الأمر الذي دعو إليه ... لقد عرفوه مجملا ويرغبون جميعا أن يعرفوه مفصلا حتى يتيح لهم جميعا أن يقولوا فيه كلمتهم، فنستمع إذن في هذه الجلسة التاريخية إلى العضو المحترم أبي اليختري بن هشام وهو يقول: يا حضرات الأعضاء كلكم تعرفون جيدا محمدا وأصحابه وتعرفون ايضا كيف بدأت دعوته أول أمرها، فاستخففنا بها وبه، وقلتم وقلنا في صاحبنا أنه: (مجنون) أو شاعر نتربص به ريب المنون، وظننتم وظننا بادئ ذي بدء أن دعوته ستذهب مع الريح، فليدع ما يدعو فليس له سميع، وقد بدأ دعوته في رفق ولطف ويقول: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم» فتركناه وشأنه، ولكنه خطأ بعد ذلك خطوة أجرأ وأفظع، فكان يدعو سرا فدعا جهرا، وسب الهتنا، وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فطلبنا من قومه أن يكفوه عنا، أو يخلو بينه وبيننا، فلم يكن هذا ولا ذاك، فاتجهنا اتجاها آخر وهو أن نتركه ونعذب من اتبعه حتى يكون في تعذيبهم نكال لهم وعظة لغيرهم فما أغنى كل ذلك شيئا، ثم رجعنا إلى محمد نرغبه في العدول عن دعوته وقلنا له: إن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وان كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئيا طلبنا الطب لك حتى نبرئك منه: فقال: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا ...

ثم زاد العضو قائلا والنواب يستمعون إليه، إن التعذيب والتنكيل والنفي لهذا الرجل ليست هذه الأمور بحاجزة عن دعوته في قبائل العرب في الحبشة وفي يثرب وفي بطون الأوس والخزرج وغير ذلك، فعما قريب سيتآخى كل من سلم من هؤلاء وأولئك، وسيكونون قوة عظيمة تحاربنا وتجادلنا، وها هو محمد اليوم بين أظهرنا وغدا يكون قوة في يد أعدائنا، ثم زاد قائلا: رأيي الخاص يا سادة هو: «حبسه في الحديد وغلق الباب عليه فيصيبه ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله كزهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت» .

وقال قائل من النواب بعد ما سمع هذا التقرير قال: «لئن حبسناه ليخرجن أمره متن وراء الباب إلى أصحابه فلا وشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ما هذا برأي؟ فوقف بعده النائب أبو الأسود ربيعة ابن عامر وقال: الرأي عندي نفيه من بلادنا، فإذ خرج عنا فو الله ما ندري أين ذهب ولا حيث وقع) فلم يقبل هذا الرأي أيضا، فقام عضو المجلس أبو الحكم بن هشام وقال: «أرى نأخذ من كل قبيلة فتى نسيبا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت