فهرس الكتاب

الصفحة 3403 من 5287

وكانت هذه الفتوة شائعة شيوعا عظيما في جميع البلاد التركمانية الرومية، ولها جمعيات عظيمة، من الشبان الأعزاب والمتجردين، ذكر الرحالة المغربي ابن بطوطة في رحلته جماعة الأخية فقال: واحدها أخي، على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية والرومية، في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم احتفالا بالغرباء من الناس وأسرع على إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشرط، ومن لحق بهم من أهل الشر (لعل هؤلاء الشرط كانوا ظالمين عندهم لا حراسا للأمن كما عليه الحال عند الأمم الآن) قال: والأخي عندهم رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون بت الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية، فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم، وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا، وانصرفوا الى صناعتهم بالغد، وأتوا مقدمهم بما اجتمع لهم، ويسمون بالفتيان ويسمى مقدمه كما ذكرنا الأخي) اهـ.

وغناؤهم ورقصهم على طريقة الصوفية لأنهم بالزاوية وهم متجردون كما قدمنا ثم ذكر ابن بطوطة ضيافتهم له ولباسهم العجيب وإعجابه بأمرهم ..

ويوجد عندنا بالمغرب عدة زوايا يطعم فيها الواردون عليها بضيافات خاصة، مثل زاوية تزروت الريسونية وزاوية سيدي هدي بشمال المغرب، وبعض هذه الزوايا كان طلبة العلم يقصدونها لدراسة العلم، وكان ينفق عليهم من احباسها مثل الزاوية الناصرية بتمكروت التي لها تلك المكتبة الهائلة وغيرها ..

وقد مرت في المغرب شخصية فذة عالمة، كان لها أثر بليغ في تربية المغاربة، وتعويدهم على الكرم والجود في باب الضيافة والصدقة والإحسان على السواء، وهي شخصية أبي العباس السبتي صاحب الضريح الشهير بمراكش، فقد كان مذهبه (أن العالم ينفعل بالجود ... ذكر في نيل الابتهاج عن لسان الدين ابن الخطيب انه قال في حق السبتي: كان السبتي مقصودا في حياته مستغاثا به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة، ومبنى أمره على انفعال العالم عن الجود وكونه علة في تأثير الوجود. له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة، ولما توفي ظهر هذا الأثر على تربته) .

ثم ذكر ابن الخطيب أن دخل هذه التربة الذي يطعم منه كل يوم المخاويج المقيمون بالتربة قد يبلغ ألف دينار في اليوم الواحد ...

ولا يزال المغاربة يسمون أول ما يطبخه صانعو الأسفنج كل صباح بالعباسية حيث يتصدقون بها وكان مظهر الضيافات شائعا في المغرب سواء بين القبائل والمداشر المتباعدة أو بين طوائف الصوفية، أو بين فروع الهيآت السياسية في العهد الأخير. ولكن هذا الكرم العربي الإسلامي أخذ يختفي من أوساط الأمم ومن بين أفراد الأمة الواحدة والهيآت السياسية الوطنية كذلك، وأخذت العادات الغربية الأوربية تحل محله وخصوصا بين ذوي السياسة والرياضة في كثير من الولائم .. بحيث أخذت الأوساط تقتصر على المشروبات في الغالب، مع إن إكرام الضيوف حقيقة إنما يكون كاملا، إذا كفي الضيف جميع حاجاته من مآكل ومشرب ومبيت.

وهذا نبل وكرم ينبغي الرجوع إليه، والتمسك به حتى يبقى المجتمع الإسلامي عاملا بقول الرسول: (من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وإن لم يكن هذا الإكرام على جهة الوجوب، وحتى نبقى كما كان يقول مصطفى كامل المصري رحمه الله في مصر: أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا. أي مكرمون.

وبقدر تمسكنا بالأخلاق الإسلامية النبيلة ترتفع قيمتنا الإنسانية في الوجود، ونقترب من أولئك الصحابة الذين انزل الله في حقهم منوها بشأنهم قوله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هو المفلحون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت