فهرس الكتاب

الصفحة 3489 من 5287

دعوة الحق، س 4، ع 9 - 10/يونيه -يوليوز 1961 ص21

أم الشهداء؛ مهداة إلى الأم العربية

للاستاذ إبراهيم محمد الجمل

رحم الله أسماء بنت أبي بكر، وسقى الغيث قبرها، وطيب الله ضريحها، فلقد قصر الزمان أن يأتي بمثلها، وعيت الأيام أن تلد نظيرها، فليس لها ند ولا شبيه في البأس وتحدي الردى والخطوب.

حفظت الأيام سيرتها العطرة، وشهد الليل والنهار ما قدمت في سبيل الحق ودعوته، رائدها الشجاعة والقوة والحماس، فتناقلت الأجيال تضحياتها الغالية، لتكون نبراسا مضيئا، وسنى لامعا، يهدي الأم العربية إلى خلق جيل قوي الإرادة، يضحي في سبيل دينه وبلاده بكل ما أوتي من غال، فالأم هي التي تخلق الرجال، وإلى الأم ينتسب الأبطال. كانت أسماء أول امرأة كلفت بمهمة سرية في الإسلام، فلعبت دورا خالدا، يذكر التاريخ موقفها العظيم بالإجلال والإكبار، وقد بلغت محنة الاضطهاد أقصاها، وتسلل المسلمون تباعا من مكة، وضيق الكفار على الرسول الخناق في ليلة حرجة، كان الموت فيها قاب قوسين أو أدنى، وفي كل لحظة ينظر القوم فيطمئنون لوجود محمد مكانه، ويحسون أن ساعة الخلاص قد قربت، وقد اجتمعوا لها من كل قبيلة، ولكن شاهت الوجوه وعميت الأبصار، وخرج الرسول من بينهم، ونام الذين أتعبهم السهر وسفك الدماء.

شغلت بتدبير الطعام للفارين بدينهما، فكان إذا جن الليل انطلقت به وقريش منتشرة في كل مكان تبحث عن محمد، فأدت مهمتها في خفاء وحرص منقطع النظير، ثم حملت السفرة كعادتها، وهناك أمام الغار والصاحبان يستعدان للرحيل، أسرعت لتعلق السفرة ولكنها لم تجد لها عصاما، فشقت نطاقها وجعلت أحدهما للطعام، ووكأت بالثاني سقاء الماء، وأكبر النبي - عليه الصلاة والسلام- صنيعها قائلا: (سوف يعوضك الله من نطاقك هذا نطاقين في الجنة) فلقبت بعدها بذات النطاقين، ونالت أول وسام في الإسلام.

طرق بابها أبو جهل - وكان فاحشا خبيثا - فسألها عن أبيها وألح في السؤال فما تحولت أسماء، وما استطاع أن يعرف منها شيئا، ولما أعيته الحيل، لطمها لطمة طيرت القرط وأسالت الدم، فكتمت أسماء غيظها، واعتصمت بإيمانها.

كانت عقيدتها أغلى ما في الوجود، ومن كل من في الوجود، ومن أمها التي كانت سببا في وجودها، جاءت بهدية تطلب ودها، وكانت على دين قريش، فابتعدت عنها أسماء، وألحت الأم، فلم تلتفت إليها، وتوجهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: يا رسول الله إن أمي قدمت إلي وهي راغبة، أفاصلها؟ فنزل قوله تعالى: ?لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ? [الممتحنة: 8] فقال لها: نعم، صلي أمك، ولما وصل ركب الرسول المدينة، وطلب الصديق، رضي الله عنه، من عبد الله بن أريط دليلهما في الهجرة أن يخرج ابنه عبد الله بمكانه، فأسرع عبد الله وعائشة رضي الله عنهم، وفي المدينة تلاقت أسماء مع زوجها الزبير بن العوام الذي وصل من الحبشة، وهناك جدد التعاون والكفاح الذي انقطع بترك الزبير لها ولمكة متجها إلى إفريقية فارا بدينه.

استقر بالمدينة، وكان ابن العوام معدما، ما له شيء غير جمله الذي يستقي عليه، وغير فرسه، فكانت أسماء تقوم بعلف الفرس إذا فرغت منه، خرجت لتملأ الماء، ثم تعود لتصلح من أمر بيتها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت