فهرس الكتاب

الصفحة 3490 من 5287

فإذا انتهت من عمل البيت انطلقت إلى أرض الزبير التي أقطعها إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم - و هي على ثلثي فرسخ من الدار- لتعمل بها، حتى إذا غابت الشمس عادت إلى الدار.

روي أنها حملت النوى من أرض زوجها يوما، وانطلقت إلى الدار، وفي الطريق قابلت رسول الله، ومعه نفر من الأنصار، ورأى النبي حملها فشاء أن يحملها على راحلته خلفه، فهتف بأسماء، ثم قال لبعيره:"إخ .. إخ"لينيخ بعيره. ولكن أسماء لم تتقدم، فلقد تذكرت شدة غيرة الزبير، فعرف رسول الله أنها استحيت أن تسير مع الرجال.

مضت أسماء رضي الله عنها حتى بلغت الدار، ولما أقبل الزبير، قالت له:"لقيني رسول الله وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك"، فأطرق الزبير ثم قال:"والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه".

وصل إلى مسامع أبي بكر ما تكابده ابنته من المتاعب والمشاق، وما تقدم من أعمال فأرسل إليها خادمة تقوم بعملها ففرحت بذلك فرحا شديدا.

اشتركت أسماء رضي الله عنها في الجهاد، وذهبت مع زوجها إلى ميدان القتال، وشاهدت اليرموك، ووقفت مع النساء وبيدها سيف مشهور، تنفذ أمر القائد خالد بن الوليد الذي أمر النساء بقتل كل مسلم يولي من المعركة، فلما دارت رحى الحرب وحمي الوطيس، واشتد الدفاع، وأخذ النساء يضربن من انهزم من المسلمين بالحجارة والخشب كانت بنت أبي بكر تصيح في الرجال وتحمسهم للقتال، فعادوا إلى المعركة وقد عزموا على النصر، فانتصروا وانهزم الأعداء.

ضرب بها المثل في الشجاعة النادرة، فكانت تعد لكل أمر عدته، ففي أيام الفتن كانت تضع خنجرا تحت وسادتها، وخاصة في الفتنة زمن سعيد بن العاص، وتجيب من يسألها عن ذلك قائلة:"إذا دخل اللص بعجت بطنه".

أما أمر ابنة الصديق رضي الله عنهما مع ابنها عبد الله فهو نادر في التاريخ، بل لم يحدث لأم أن تصرفت بمثل ما تصرفت به أسماء تجاه ابنها وفلذة كبدها حتى صار ذلك منتهى التضحية والثبات على الحق والوفاء للدين القويم: لقد حملت به في أحرج ساعات المسلمين، وقامت بأعجب أدوارها وهي مثقلة به ثم هاجرت وهو بين أحشائها، وفي يثرب راحت تترقب مولده يوما بعد يوم، ومضت مدة ولم يولد للمسلمين، فشغلوا بذلك، يقول ابن الأثير:"ظن المسلمون أن اليهود قد سحروا لهم حتى لا ينجبوا، وأصبح هذا الزعم حقيقة". أهمهم هذا الأمر، وبينما النبي وأصحابه جلوس، أقبل البشير من قباء إلى يثرب يحمل البشرى للمسلمين، فلما دنا من الرسول هتف قائلا:"رزق الله الزبير بن العوام وأسماء بنت أبي بكر مولودا"، فما أن سرى النبأ حتى انطلقت الحناجر بالتكبير، وامتلأت المدينة بالفرح والسرور.

أقبلت أسماء تحمل مولودها الأول مستبشرة، حتى إذا دنت من رسول الله وضعته في حجره، فبش النبي له، ودعا له بالبركة، وسماه"عبد الله"ثم احتضنته وانطلقت به، وهي ترجو له خيرا كثيرا.

لم تأل جهدا في تربيته، راجية أن يكون كجده وأبيه وأخواله، فشب عبد الله كما أرادت، تقيا ورعا شجاعا غيورا على الحق.

تعلم النضال والقتال، وتمرن على الصبر في الجهاد، فقد روي أن أباه كان يحمله خلفه في صباه، ويهجم به ليبصره بأساليب الكر والفر، ولم يتركه إلا رجلا قويا جلدا. ودعا داعي الجهاد، فقد رأى ما آل إليه الإسلام، وقد مزقته الأهواء، وفرقته الخلافات، واستبدت به الشهوات، فدعا الناس إلى الطريق القويم، فخضع له جل البلاد، ودانت له بالخلافة، وأصبح يلقب أمير المؤمنين.

قرت به عين الأم الشجاعة، وفرحت والمسلمون يلتفون حوله، وانصرفت للتعليم والعبادة، وقد تعلمت من أبيها علم الأنساب، وتعبير الرؤيا، وروت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وروى عنها ناس كثيرون.

ولكن الحجاج بن يوسف الثقفي قائد عبد الملك ابن مروان لم يمهلها لتتمتع برؤية ابنها وقد لبس حلة الخلافة فراح يؤلب عليه الأمصار، وحاصره في حاضرة ملكه، وضيق عليه الخناق، فأهم عبد الله وآلمه أن ترى أمه نهايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت