دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 ص 81
للأستاذ عبد القادر السميحي
... وذات صباح من مقتبل الربيع انطلقت فراشة بيضاء الجناحين كالياسمين، في جيدها جوهرة، لها عينان خضروان ضياؤهما من قمر، وبخفين أزرقين، كتلكم الخفاف الحريرية، التي يرففن بها الراقصات في انسياب مجنح، تطير فيه الأقدام، أكثر مما تمس الأرض ...
انطلقت كأطفال الملائكة، تنساب خلال الزهر، والمسارب المشجرة، ومتسلق النبت العميم، وكانت غشاوة من الأنداء المتبخرة تتماوج كالأطياف الحالمة، هناك اتخذت الفراشة سبيلها إلى النور، فيما وجدت من راحة الانتشار، بين تلك الخيوط المنتفضة من الشمس، وبين الظلال، وهناك تهاوت هكذا، كورقة ضائعة، من خريف، بما تساقط على جناحيها من الرذاذ ها هو فارسها الجميل، من مملكة الفراشات يخف لإسعافها، ويمدد قدميها للشمس، ليشع الدفء فيهما وهذه إحدى وصيفاته، وتدعى «زهرة القمر» تحضر قطرات الدفء، من عطر يدعى «عطر الصيف» أتت تحمله في زهرة الأجراس، وأفرغته حبات وضيئة، منهمرة على قدميها المتصلبتين، لأن هذا أول أيام الربيع، وستشقى الأميرة البيضاء إذا هي لم تشارك في سيمفونية الربيع، بالرقص على أطراف قدميها، فوق البحرية.
وكانت أنفاس الربيع تسري هائمة، لا تفتر عن الهبوب طرفة عين، فتشعر كل شيء بوجودها، حين استيقظت الفراشة، ودفء الحياة المتوردة يسري في قدميها، وقالت:
-«ألا ليت لي صدرا واسعا، إذن لطويته على كل نسمة تعبر هذا السهل، ولكن هذه الغشاوة ألا تزال منتشرة؟ إنني بحاجة إلى الرقص، فالراقصة تشقى إذا هي كفت عن الرقص، كذلك الطيور الطليقة ينال منها الحزن، إن سجنت في الأقفاص، آه! ثم انطلق صوتها يتعالى بالإنشاد:
في قلبي فرحة هائلة
سأقولها للربيع
لذا أتوق لرؤياه
مكان عرض سيمفونية الربيع:
الزمان الآن وقت الضحى، والإشعاع لا يزال فاترا موردا، روابي مخضرة، هنا وهناك، وزهور نضرة، غارقة في شعاع الشمس، فهناك القرنفل الأحمر، والأبيض، والنرجس، والسوسن، والأقحوان، والزنبق، والنسرين، وزهر اللؤلؤ، والفل، والورود الذهبية والبيضاء والحمراء، وزهور «الداليا» و «الجلاديولن» و «الأوركيديا» و «الأرذبون» ومن وراء ذلك تتعالى ذرى الجبال، المجللة بالغاب، وبكل روعة وجمال وفي أعماق الوادي تتلألأ أمواج البحرية، كلؤلؤة من الندى الأزرق، وقد استغرقت على وجهها زهور «اللينوفار» كأنها تفكر، أو تتمنى، ومن حين لآخر، يرتعش وريقها المشرع، كلما هزته أطواق متلاحقة من هادئ الأمواج ..
كما تقوم في وسطها استراحة ذات أعمدة من المرمر الأبيض، تعلوها قبة بيضاء، تحوم وترفرف فوقها أسراب الطيور.
أما أفراد «الأوركسترا» من مختلف أجناس الطيور، فقد تجمعوا فوق أعالي الأغصان، هذه فرقة البلابل المصرية، ثم هم جميلون حقا في لباس التشريفات، قبعة عالية، وسوداء من الوبر، وسترة رمادية في ذيلها سواد، وهذه طيور الكنار في ريشها الأصفر المشبع بالبياض، وبصفاء تغريدها، أشبه بجموع صغار المنشدين في المعابد الدينية، لهم جميعا تغريد سماوي مصفى، له سيولة ممددة كأنغام الكمان، وهذا هو الأخ البوم في صمته الرهيب، المنبعث من عينيه الواسعتين، التي أدخل في روعنا أنهما نذير شؤم في الظلام.