فهرس الكتاب

الصفحة 2125 من 5287

وبين الحشائش الندية بجانب البحرية جثم الأخ الضفدع بردائه الأخضر القاتم، وبودجيه المنتفختين وقد وضع على عينيه البليدتين نظارة أميريكية، ليتمكن من متابعة قراءة «النوتة» قراءة صحيحة، حتى لا يحدث نشاز في تقسيم الأنغام في سيمفونية الربيع، لضعف ذاكرته، وللحشرجة التي كثيرا ما تأخذ بخناق صوته ولا يكون له قبل بتلافيها، إن توقيع الضفدع له وقع جميل ولهذا لا يجمل بنا أن نحط من قيمة صوته، ومشاركته ببوق النفخ في التقسيم العام، فلكل شيء جماله، ولو كان في عرفنا العقيم معدودا في جانب القبح.

لقد انجلت الآن غشاوة الضباب، فظهرت البحرية غارقة في شعاع بنفسجي، آتيا من فجوات الجبال، والظلال، وأخذ يتساقط على وردة جميلة حمراء، كان وريقها المطبق، ينفرج شيئا فشيئا، إلى أن ظهرت من خلاله الأميرة الفراشة البيضاء، في وضع يعبر عن «الحب الخاضع» خاشعة الرأس، في اتجاه ما انثنى من ركبتها اليمنى، ويديها مسبلتين على طرف قدمها، أما القدم اليسرى فمنثنية إلى الخلف، ها هي الآن أخذت تتمدد إلى أعلى، كأبخرة سحرية، تتلوى في ضوء القمر، ومن استمع إلى افتتاحية «توكانا» لـ «جوهان باخ» فإنه سيعلم أية أنغام كانت الأميرة البيضاء تساير إيقاعها، وانسابت -ومن ورائها أسراب الفراشات الملونة- إلى أن لامست بطرف قدميها وجه البحرية، وانطلقت فوقها، ما تكاد تلمس الماء «كأن في قدميها أجنحة، وفي ذراعيها أجنحة» وانطلق إليها أجمل الفرسان من الفراشات، رافعا شماله، ويمينه على قلبه، كما كان يفعل «كاروزو» مغني الأبرا، في أيام مجده الخالدة، وانطلق يغني:

في قلبي حب يدفعني إلى الغناء

لأن هذا هو الحب

لا يطيق الخفاء

فتجيبه الأميرة:

هذه لحظة لنا فيها رغبة واحدة

هذا الربيع لنا فيه أمل واحد

أن نتحابا بلا افتراق

فيجاوبها فارسها الأمير:

فلك بابتهاج صوت من قلبي

فيه حرارة الشوق والدموع

وفي سبيل الإشادة بجمالك

أترنم بصوتي

لأن هذا الحب

لا يطيق الخفاء

صوت الأميرة:

فكن يا حبيبي موضع حبي

ولا تفقدني أمل قلبي

هذا قلبي مريض

ويشفيه فريدا من حبك

فبربك اذكر موعدي

فهو فرحة قلبي

وضم رأسك لصدري

ودعني أشعر بقربك مني

وليكن بعد ما يكون

ما دمت بالقرب مني

ويمينك تعانقني

ومرة أخرى ترتفع أصوات الجمع العظيم «بسيمفونية الربيع» :

هذا وادينا أخضر اللون

مغيما بالزهور!

والسرو المنشور من سفح لواد

لن يروعك فيه عش مهجور

رب؟ نضر مرابعه بالندى

واكس بالخضرة، ما يجرد الشتا

يا إلاه النور، والجمال.

غدا السحاب موردا في المغيب

وارتفع الناي فانطلق القطيع

فلنطر يا رفاق للعش الدفيء

ولنسبل بلا حذر جفونا

أعلى فأعلى إلى القمة

إلى عرش الشجر المنضور

فقد هامت أهوال الغيم مثقلة بالظلام

وثوى الزورق المكدود مطوي الشراع

فلنطر يا رفاق للعش الدفيء

ولنسبل بلا حذر جفونا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت