دعوة الحق، س 4، ع6/ مارس 1961 ص51
للأستاذ عباس الجراري
الحديث عن تاريخ الأدب العربي عامة معقد وصعب، وهو عن تاريخ الأدب المغربي خاصة أشد تعقيدا وأكثر صعوبة، بل يحس الباحث في صفحاته شعورين يكاد أن يكونا متناقضين، فأما الأول فعسر الدرس وضناؤه، وأما الثاني فمتعته ولذته، وهو مضن عسير لما يسود هذه الصفحات من غموض نتج عن عدم إعتناء السلف بالتاريخ وعده من قبل الخرافة، وعن إهمال الخلف لما بقي من تراث يندب حظه على رفوف المكتبات، لايزيده الأعراض غير نقص من قيمة نفائسه وذخائره، ثم هو ممتع لذيذ لما يساور دراسه من غبطة في النفس، ورضى في الضمير، لاشك أنهما يخالجان كل من يكشف مجهولا أو يصل إلى شيء جديد يضيفه إلى ما وقف عنده الفكر الإنساني في مختلف فروعه.
وبالرغم من أن مغرب ما قبل الإسلام لم يشهد قيام حضارة ثابتة قوية تزدهر في أحضانها حركات العلم والأدب والفن، وبالرغم من أنه في عصوره الإسلامية الأولى لم تكن له مشاركة فعالة فيغير العلوم الدينية دون فنون الأدب الذي يكتفي فيه يالتقليد والمحاكلة، والذي لم يكن مميزا بغير طابع الشرق والأندلس، بالرغم من هذا وذاك لايكاد الباحث يصل إلى العصر الموحدي (514 - 668 ه) حتى تنشر أمامه صفحات عهد مشرق ينبض بالحياة والحركة في شتى ميادين الحضارة والثقافة.
فقد أسس المهدي بن تومرت (485 - 524 ه) دولة كبرى تضاهي عاصمتها في مراكش مدينة السلام العباسيةـ وتمتد رقعتها من المحيط الأطلسي حتى حدود مصر، ومن الصحراء الكبرى حتى بلاد الأندلس. وكان هدفه أن يوحد البلاد الإسلامية تحت لوائه، فتسمى بالخليفة، وبعث أنصاره ينشرون سرا دعوته في أقاليم العباسيين والفاطميين، ولم يكن مطمئنا لما هي عليه. وكان للخلفاء بعده كبير إهتمام بالدين وشؤونه لدرجة أم أمروا بقتل شارب الخمر وتارك الصلاة غلوا منهم في إقامة الحد. وساد عندهم مذهب الأشعرية والشيعة والظاهرية، ونشرت فكرة المهدوية. ولعل عدم تقيدهم بما وقف عنده فقهاء المالكية ومحاولاتهم في الإستنباط والإجتهاد يدلان على ما كان لهم في من حب لحرية التفكير، ظهر أثرها في النهضة العلمية والأدبية التي شهدها هذا العصر، والتي قامت على أساس من المنطق والعقل، فدرست الفلسفة في المعاهد والمدارس، ونوقشت مسائلها في بلاط الخليفة، وخاصة يوسف الذي كان يضم مجلسه إبن رشد وابن طفيل. ولا أدل على إزدهار هذا العلم من تلك الأسئلة التي وجهت إلى علماء سبتة من طرف فريدريك الثاني ملك إيطالية، والتي رد عليها الفيلسوف إبن سبعين في أجوبة يضمها كتاب"المسائل الصقلية".
وكان لابد للأدب أن ينهض وتنفق سوقه، فاعتنت به الدولة وشجعت أصحابه وزخرت أندية البلاط بالكتاب والشعراء، وفتحت أبوابها للأدباء الوافدين، وعقد الخلفاء- وكان أكثرهم يتذزقون ويتعاطون القريض- مجالس كانت تحفل بالمناظرة والمساجلة، بذلوا العطاء لروادها في بذخ وإسراف فكان لهما أثر كبير على تشجيع حركات العلم والأدب.
ففي"وفيات الأعيان"أن عبد المؤمن (495 - 558ه) منح الشاعر التيفاسي ألف دينار على بيت شعر واحد أنشده إياه. وفي"نفح الطيب"أن يعقوبا (555 - .