دعوة الحق، س.1، ع1 /يوليوز 1957 ص 7
للزعيم علال الفاسي
وقف الناس من الديانات السماوية موقفا غريبا، لأنهم لم يعرفوا قيمتها ولا قدروها قدرها، فمنهم من تمسك بالعاطفة الدينية وحدها، وحمله الحب لها والحرص عليها على أن يأخذ كل ما ينسب للدين على أنه دين، متجاهلا ما أحدثته الظروف التاريخية والاجتماعية، وما أدخلته في الديانات مما ليس منها حتى انحرفت بها عن الطريق السوي والدعوة المثلى، التي بلغها الرسل وآمن بها الأنبياء.
ولولا ذلك الانحراف لما بعث الله الرسل تترى، ليعيدوا الدين غضا، طريا وليجددوا للناس ما أبلاه الانحراف من أمر دينهم، حتى كانت الخاتمة هي بعثة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، التي وافقت مرحلة معينة من التطور الإنساني، بلغ بها البشر مبلغ الرشد، فكان محمد نبي العقل ورسول الإصلاح، مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل ومهيمنا عليهما وعلى غيرهما من الكتب المنزلة ومصلحا لما أفسده الأحبار والرهبان من آثارها.
وقد كان في مقدمة ما دعا إليه، النظر والبحث والاهتمام بشؤون المجتمع وأمر الناس، فكان بذلك خير نبراس يقتدى به في جميع العصور، ولكن أمته لم تنج مما أصاب غيرها من الأمم، فانحرفت عن الطريق وأولت الآيات المنزلة والأحاديث المحكمة، التأويلات التي تتفق مع أهوائها ومصالح بعض أشخاصها، وفرقت دينها فكانت شيعا، وغيرت سبيلها فملأت أعمالها بدعا، وحادت عن السنة في الاعتقاد وفي السلوك، فأصبحت تؤمن بالخرافات وتنهج نهج الأباطيل، وتعاقبت الأجيال على ذلك، ونسي الناس من أمر الدين الشيء الكثير، وأصبحوا يعتبرون ما تعودوه من التقاليد البالية من صميمه، وإن كان أبعد الأشياء عنه، فتعصبت العامة للبدل، وتملق لها الخاصة، فأخذوا يبحثون عن مبررات أعمالهم، ويستنبطون لها البينات.
وهكذا تمت المؤامرة من الكل على إفساد الدين وتعمية الحقيقة، وكلما قام داعية ينشر الإصلاح أو يهيب بالتجديد، عاملته الخاصة معاملة المفسد على الناس عقائدها وشؤونها وشايعتهم العامة، فنبذوه، لأنهم أحرص على ما ألفوه باسم الدين، لاسيما وقد أيده المتملقون لهم من علماء السوء، فيستمر الحال على ما هو عليه، ويتفق المستفيدون من الوضع حكاما أو غيرهم، على ما يهدئ الجو، ويبعد القلق عن الأوساط الشعبية، فيؤيدون أولئك الخاصة لإخضاع العامة، ولم يلبث الكل أن أصبح يعتقد أن ما هم فيه هو الحق، فمردت نفوسهم عليه وجمدوا، حتى أصبحوا مخلصين في جمودهم، لا يستطيعون قبول أية فكرة تتنافى مع أحوالهم، وتعمل على تغيير أوضاعهم، وقد حسبوا أنهم ما داموا يصلون ويصومون ويحجون أحيانا، وربما أخرجوا بعض الزكوات، فقد تمسكوا بالدين، مع أن الإسلام ليس منحصرا في بعض العبادات دون بعض ولا يمكن أن يجزأ أمره ونهيه، وخصوصا بالنسبة للمجموع، فإذا كان الفرد قد يعصي بمخالفة بعض الأحكام فلا يخرج من الدين، فإن الأمة إذا أجمعت كلها على ترك ذلك الحكم فقد أوشكت أن تعتبر في عداد المارقين المنحرفين عن الطريق.
وقد كان الجانب الذي انحرف عنه الناس من شؤون الملة، أكثر من غيره، هو ما يرجع للنواحي الاجتماعية وما يمس الحق العام، أو يتناول صلة الأفراد بالحاكمين، وصلة مجموع الأمة ببعضها.
وقد كان ذلك نتيجة للسيطرة التي حصل عليها بعض الساسة في الظروف التاريخية الإسلامية، فقد عاق ذلك عن تنمية المنظمات الحرة، وعن ازدهار الأفكار التحريرية التي تجد أصولها في مختلف الآيات والأحكام الشرعية.
واتصل هذا الانحراف بعامل الجمود على ما ألف الناس من الخرافات فتأولوا عقيدة القضاء والقدر الإسلامية على أنها جبر لا يسمح بالعمل على تغيير الأحوال وإصلاح الشؤون، لأن ما وقع في العالم لابد أن يدوم، إذ هو مطابق لمقتضى إرادة الله التي لا تقبل التبديل، وهو تأويل لا يتفق مع الحقيقة الشرعية، لان إرادة الله الخاصة تابعة لإرادته العامة، التي تعنى تسيير شؤون العالم بمقتضى نواميس أودعها فيه، وطبائع وضعها في كل الأشياء.
كان لهذا الجمود أثره الفعال في وقوف سير تاريخ الأمة الإسلامية إلى (